الــــوطـــنــــيـــــة الـــمـــزيــــفـــة

أربعاء, 11/20/2019 - 09:19

 

تقدم الدول العربية والعديد من البلدان الإفريقية والأسيوية نموذجا مختلفا للدولة القومية التي تم التعارف عليها، باعتبارها الوحدة الأساسية للنظام الدولي، آذ أنها تبدو إلى حد كبير دولا يغلب عليها الاصطناع الجغرافي والاجتماعي، وبتبسيط أكثر هي دول «مطبوخة» فرضتها ظروف المرحلة ما بعد الاستعمارية وصراعات القوى الكبرى وقوة النزعات المحلية. بالطبع لا ينبغي الإيغال في استخدام مصطلح الاصطناع إلى الحد الذي تذهب إليه التيارات القومية المتأدلجة، التي تتنكر ببساطة لحقب تاريخية طويلة كانت فيها المنطقة العربية ساحة صراع بين إمبراطورياتها ولم تكن «دولة واحدة».

 

 وإذا كانت الإمبراطورية الإسلامية قد أنتجت وحدة جغرافية واسعة تمتد من الصين إلى المحيط الأطلسي، إلا أن هذه الوحدة لم تكن هي القاعدة بل كانت الاستثناء، ولم تخل من الانقسامات والصراعات بين الإمارات والدويلات والقبائل، والاهم من ذلك ان تلك الدولة، وهذا احد أسرار تفوقها، كانت فسيفسائي متنوعة وبالمعنى المعاصر «Homogenous».

 

ان احد مصادر ضعف التفكير القومي العربي هو انه تنازل عن سمة التفوق هذه لصالح تبني شكلا من أشكال التفوق العنصري، الذي حاولت بعض التنظيرات القومية إعطاءه طابعا مخففا بالحديث عن الأمة «القائدة»، في إنكار متعصب لمساهمة «الشعوب» الإسلامية غير العربية في صنع تلك الحضارة، التي ما زلنا نعتاش على أمجادها، بعد أن رمينا أنفسنا في حاضر مخجل، تسلم فيه الريادة إلى أكثر نماذج التفكير تطرفا وعجرفة وإنكارا للأخر، حيث تصنع المنجزات الجديدة عبر سيارات مفخخة تنهش أجساد أبناء الوطن الذي لم يبد مصطنعا كما هو اليوم بفعل الأحادية القاتلة.

 

لقد كانت الدولة ـ القومية في أوربا نتاجا لتطور تاريخي شهد صراعات مرة كالتي نعيشها اليوم، لكنه انتهى إلى إنتاج النموذج الغربي المعاصر من مجتمعات متجانسة تحترم التنوع في داخلها وتعيش عقدا اجتماعيا يوائم بين حركية التقدم والتجديد، وثبات مبادئه الأساسية القائمة على الحرية والمساواة وحكم القانون.

 

 والدول الجديدة التي ظهرت في أوربا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وحروب البلقان المرة تحاول أن تلحق بالنموذج الغربي، وان تعوض زمنا طويلا من الاتحادات الإجبارية في دول غير متجانسة تشد أجزاؤها أنظمة حديدية.

 واليوم لا نشعر بكثير من الغرابة عندما تتحدث القوى السياسية في الدول الغربية عن الأمة، وعن المواطنة، وعن الوطنية، فهي في ذلك لا تستعير مفاهيم غير طبيعية ولا تسقطها على واقع لا يستوعبها.

 

الغريب هو في الإصرار على محاكاة هذه المفاهيم وإسقاطها على «دول أو أشباه دول» لا تبدو في لحظتها التاريخية الراهنة قادرة على استيعابها، والحديث عن إرادة وطنية في أوطان صار وجودها محلا للتساؤل، وصارت أولوية هذا الوجود ثانوية لدى الفرقاء داخلها.

 

إن النماذج التي نشهدها اليوم في العراق ولبنان وفلسطين ليست شواذا عن قواعد المنطقة، هي جنين المنطقة الذي يخضع لعملية استيراد قيصرية منذ أمد.

 

 الإرادة الوطنية هنا تنطوي على اصطناع لا يقل عن ذاك الذي تجلى طويلا في خطاب التيارات القومية العروبية عن الإرادة القومية، وما تبعه من إنشاء قيادات «قومية» لأحزاب «قطرية» بلغت في قطريتها حدا خلق قطيعة كاملة بين بلدين عربيين متجاورين ومترابطين ومقترحين كنواة للوحدة العربية!

 

المشكلة مجددا، هي في قدرتنا نحن على الاصطناع وتحميل الأشياء اكبر مما تحتمل، لقد ضربنا أرقاما قياسية في أعداد الأناشيد الوطنية، وفي ابتكار الرموز الوطنية وفي تقديم التضحيات «الوطنية»، وفي غضون ذلك عجزنا عن ان نبني وطنا حقيقيا نعوض فيه شعورنا بالنقص تجاه واقع نهرب منه عبر تزييفه. في البلدان الثلاثة التي تحدثت عنها هناك صراخ عال يصم الآذان، يتحدث باسم الوطن على شفاه فرقاء يتنابزون صباحا ومساء، وحيث يبدو الشعب فئات يصل حد بغضها لبعضها إلى أن تتحالف زعاماتها مع دول خارجية لتستقوي بها على الفئة الأخرى، ويحصل كل ذلك وسط اجترار مقرف للحديث عن خطورة «التدخل الخارجي» وعن «الوطنية» من قبل نفس الزعامات.

 

 ولكي يزداد عمق المشكلة، تتبنى الدول المجاورة خطابا غريزيا يستحضر المثل العربي «القبلي» «أنا وأخي على ابن عمي...»، ويحصل ان يكون احد الفرقاء أخا لحليف له خارج الحدود، وتكون الأخوة شكلا آخر من أشكال القبلية العربية التي ما تلبث أن تنهض نافضة ببساطة غبار عقود طويلة من افتعال المواطنة في صحراء من القبلية المنمقة.

 

أن العراق ولبنان وفلسطين هي اليوم مناطق «رخوة» يسهل فيها على الجيران استعراض قواهم والتصادم في معارك ثانوية، لم لا ما دامت هذه الأوطان مشاريع مؤجلة أو فاشلة.

 

 غير أن الحقيقة اكبر من ذلك، فليس أي بلد من بلدان هذا «العالم الخاص من المتناقضات» بعصي عن أن يكون في يوم أخر نهبا لنفس النوع من الصراعات لنفس الأسباب.

 

 فمشروع بناء الدولة القومية لم يثمر بعد عن هذه الدولة رغم تباين في الدرجة والمضمون. ان معظم دول المنطقة تقوم على براكين خامدة قد تنفجر اذا ما توفر لها احد عوامل الاشعال، كالاحتلال الامريكي وسقوط النظام الشمولي  القبلي في العراق، والانتخابات في فلسطين، وهي جميعا أحداث اسهمت في رفع غطاء من التزييف كان يخفي واقعا صعبا.

 

 قد تنجح بعض دول المنطقة في إخفاء عيوبها، لكن ذلك لن يلغي تلك العيوب. بعد كل ذلك، لا تغدو الفرصة الجاذبة لبلدان المنطقة كي تدس أنوفها في صراعات بغداد وبيروت ورام الله، سوى صورة لإصرار ضمني على أن تظل المنطقة ضحية عالمها الخاص من سياسات القبيلة والطائفة، يصبح معها استصراخ الأخر الخارجي ضد الخصم الداخلي شكلا معبرا عن حالة الاختراق التي تعيشها بلدان لا تقاوم حقيقة انها «مطبوخة»، وبمكونات غير ملائمة لبعضها، أحيانا.

 

أما المدهش، فهو أن الرمزية التي يحملها وجود هذه الأوطان ما زالت من القوة بحيث يستعصى التنازل عنها حتى وسكانها يحتر بون فيما بينهم، فلأنها تجمعات سكانية تجاوزت المرحلة القبلية بفعل يلمس منجزات الحداثة وتحولاتها، ولكونها أقل من ان تكون أمما بالمعنى الأوربي بفعل عدم مغادرتها التامة لعلاقات ما قبل الحداثة، تظل هذه الكتل السكانية منشدة إلى أسمائها الرمزية «العراق، لبنان، فلسطين، السودان» كمنفذ للتعبير عن الهوية ، لكنه تعبير يدخل هو الأخر حتى في رمزيته إلى حلبة الصراع لينتهي في أسوأ الحالات إلى الحديث عن عراق جنوبي ولبنان شمالي ، كما نتحدث اليوم عن كوريتين وكنا نتحدث بالأمس عن ألمانيتين.

 

ما تحتاجه هذه «البلدان» هو زمن من السلام كي تختار مسالكها، فالشعوب لا تقرأ الأشياء بتأن وذكاء عندما تكون في مراحل الاحتدام، وعندها تأتي القرارات متسرعة والخيارات كارثية، وربما لا أحد يحسد هذه النماذج التي ذكرناها، لكنها قد تحسد في الغد عندما تنتهي مرحلة الاحتدام وينجو الجنين في ولادته المتعسرة أو يموت مخلفا بعض الهدوء والوداعة واللام، في وقت تكون براكين أخرى قد انفجرت وقصص جديدة عن الوطنية المفتعلة قد قصت

بقلم: عمر دغوغي الإدريسي مدير مكتب صنعاء نيوز بالمملكة المغربية

Share

أخبار وطنية

أنباء دولية

ثقافة وأدب

منوعات وطرائف