
بدأت منذ أشهر ولم تنجح حتى الآن أي من الخطط الحكومية في مواجهتها
تعرف أسعار المواد الغذائية الأساسية مثل الأرز، السكر، الألبان، الزيوت، الخضروات، الأسماك، اللحوم منذ أسابيع ما يوصف بأنه ارتفاع غير مسبوق تراوح بين 10 إلى 30 بالمائة وسط تراجع في القدرة الشرائية.
أسباب شتى
تقدم الحكومة الموريتانية واتحاد رجال الأعمال المقرب منها أسبابا متعددة لظاهرة ارتفاع الأسعار الأخير حيث قدم عدد من التجار والمسؤولين الحكوميين أسبابا متعددة لموجة ارتفاع الأسعار التي تضرب أسواق البلاد، حيث قال رئيس "اتحاد أرباب العمل الموريتانيين"، زين العابدين ولد الشيخ أحمد أحمد، إن ارتفاع الأسعار محليا يعود إلى ارتفاعها عالميا، وارتفاع الطلب سلعة القمح الأمر الذي رفع سعرها، مضيفا في لقاء عبر شاشة "الموريتانية" (رسمية) قبل أشهر أن ارتفاع سعر الأرز المحلي يعود إلى تراجع الإنتاج خلال الموسم الماضي، وتلف كمية كبيرة منه جراء ارتفاع منسوب مياه نهر السنغال وفق قوله.
كما أصدر رئيس الجمهورية حينها تعليمات للوزراء بضرورة التحرك لمعالجة أزمة ارتفاع الأسعار، خاصة المواد الغذائية، بعد انتقادات من عدة أحزاب سياسية، للارتفاع الحاصل في أسعار المواد الأساسية، معتبرة أن ارتفاع الأسعار بهذا المستوى غير مبرر، متهمة الحكومة بأنها لا تحرك ساكنا ولا تقدم تفسيرا مقنعا لهذه الزيادات التي لم تقتصر على مادة واحدة، وإنما شملت أغلب المواد الغذائية الأساسية التي يحتاجها المواطن في يومياته.
البنك الدولي من جهته وصف أواخر العام الماضي الاقتصاد الموريتاني بأنه "بالغ الحساسية للصدمات الخارجية كاضطراب أسعار المواد الأولية والظروف المناخية والأزمات السياسية"، مردفا أنه "يعتمد على المساعدات الدولية".
وقال البنك الدولي في تقريرها السنوي عن الاقتصاد الموريتاني إن موريتانيا تصنف "ضمن الدول الأقل تطورا حيث تحتل المرتبة 160 من أصل 189 دولة حسب الترتيب العام المعتمد على مؤشر النمو البشري".
كما لفت إلى أن مستوى الفقر انخفض في موريتانيا سنة 2014 من 42 بالمائة إلى 31 بالمائة.
مقترحات بالحلول
ترتفع الأصوات المطالبة بوضع حد لغلاء المعيشة، حيث وصلت نسبة ارتفاع الأسعار في بعض الأحيان إلى 30 %، في حين يعيش 46 % من الموريتانيين تحت خط الفقر، بينما تنفق البلاد قرابة ثلث عائداتها من العملة الصعبة على استيراد المواد الغذائية.
ويقول مهتمون بمتابعة وضعية السوق الموريتاني أن ارتفاع الأسعار ناتج عن غلاء المواد الأولية عالميًا، وظاهرة المضاربة والاحتكار التي يمارسها التجار، مؤكدين على مطالبة المجتمع المدني السلطات الرسمية بدعم المواد الأساسية الضرورية، وألّا تتركها لتتبع قاعدة العرض والطلب.
في المقابل، أعلنت الحكومة الموريتانية منذ مدة عن تشكيل لجنة وزارية لرصد ارتفاع الأسعار، ودراسة سبل معالجة الظاهرة، في إطار خططها الهادفة -كما تقول- للحد من تداعيات جائحة كوفيد-19، بعد أن سجلت أسعار عدد من المواد الغذائية الأساسية خلال الأيام الماضية ولا تزال تسجل ارتفاعا كبيرا مقارنة مع السابق، مما أثر بشكل كبير على القوة الشرائية للمواطن.
الناجي ولد التركزي رئيس قسم تجار تفرغ زينة للمواد الغذائية "بشارع الرزق" قال في لقاء مع الوكالة الموريتانية قبل أسابيع أن مادة السكر شهدت في نفس الفترة من السنة الماضية ارتفاعا أكبر من الارتفاع الحالي، حيث وصل سعرها عند الموردين 205 آلاف أوقية قديمة للطن الواحد، فيما يصل سعر السكر اليوم إلى 188 ألف أوقية للطن.
وأعاد رئيس القسم ارتفاع أسعار الأرز المحلي لفشل ثلاث حملات زراعية بسبب الأمطار وارتفاع منسوب النهر والآفات الزراعية، مضيفا في هذا السياق أن طن الأرز الخام كان يترواح سعره في السابق ما بين 90 إلى 100 ألف قديمة واليوم يتم بيعه بحوالي 165 ألف، أما الأرز الخارجي فقد كان في السابق غاليا بسبب ارتفاع التعرفة الجمركية عليه لتشجيع استهلاك الأرز المحلي، داعيا إلى تخفيف التعرفة مؤقتا على هذه المادة الاستراتيجية لسد النقص الحاصل.
وأضاف أن ارتفاع أسعار الزيوت والألبان والقمح يعود لأسباب من أبرزها عودة التعرفة الجمركية عليها خلال السنة المالية الحالية، واستيراد الصين لكميات كبيرة من القمح.
وقال إن اتحادية التجارة تساهم في السلم الاجتماعي حسب وصفه من خلال استقرار الأسعار ومراقبة حركة البضائع وخروجها من البلاد، وهي على دراية بأن هذه البضائع مرغوبة في البلدان المجاورة كالسنغال ومالي التي تشهد أسعار المواد الغذائية فيها ارتفاعا أكبر بكثير مما هو عندنا.
وطالب الدولة في هذا الإطار بتوحيد الضرائب على المواد الغذائية وجعلها ضريبة واحدة عند وصول البضاعة إلى الميناء بدل دفع ضريبة ثانية عليها عند وصولها إلي المحلات التجارية، كما هو الحال لدى موزعي المواد البترولية الذين لا يدفعون إلا ضريبة واحدة.
يشار إلى أن الحكومة الموريتانية أعلنت منذ فترة أنها توصلت لاتفاق مع الموردين يحدد «أسعارًا توافقية» لبعض المواد الغذائية الأساسية «ملزمة» لجميع الباعة في الأسواق الموريتانية.
وقالت وزارة التجارة في بيات صحفي إن الأسعار الجديدة على النحو التالي:
الزيت: 860 أوقية جديدة للقنينة الواحدة من فئة 20 ليتر في البيع بالجملة، 870 أوقية جديدة للقنينة الواحدة من فئة 20 ليتر في البيع بنصف الجملة، 47 أوقية جديدة للتر الواحد في البيع بالتجزئة.
السكر: 18900 اوقية جديدة للطن في البيع بالجملة، 19200 اوقية جديدة للطن في البيع بنصف الجملة ، 23 أوقية جديد للكيلوغرام في البيع بالتجزئة.
القمح: 11800 أوقية جديدة للطن في البيع بالجملة، 12100 أوقية جديدة للطن في البيع بنصف الجملة،14.5 أوقية جديدة للكيلوغرام الواحد في البيع بالتجزئة.
كما تم الاتفاق مع مزودي السوق بالارز المحلي على الأسعار التالية:
الأرز المحلي الطويل 26500 أوقية جديدة للطن سعر الجملة في روصو وكيهيدي، و27100 أوقية جديدة للطن في نواكشوط، فيما بلغ سعر التجزئة للكيلوغرام الواحد 27 أوقية جديدة في روصو وكيهيدي و28 أوقية جديدة في نواكشوط.
الأرز المحلي المكسر 27500 أوقية جديدة للطن سعر الجملة في روصو وكيهيدي، و28100 أوقية جديدة للطن في نواكشوط، فيما بلغ سعر التجزئة للكيلوغرام الواحد 28 أوقية جديدة في روصو وكيهيدي، و29.1 أوقية جديدة في نواكشوط.
على صعيد ذي صلة أصدرت الإدارة العامة للجمارك الموريتانية الأربعاء الماضي، تعميما يحظر بشكل مطلق إعادة تصدير الزيوت الغذائية.
وأبلغت الإدارة جميع المديرين الجهويين للجمارك بقرار منع إعادة تصدير الزيوت الغذائية حتى إشعار آخر.
وكانت وزيرة التجارة، الناها بنت حمدي ولد مكناس، قد تدارست، أمس الثلاثاء، مع اتحادية التجارة، أسعار المواد الغذائية وخاصة زيت الطهي الذي يشهد ارتفاعا عالميا.
من جهة أخرى أعلنت الوزارة أن أعمال اللجنة الوزارية أسفرت عن «نتائج فورية تتمثل في التخفيضات الأولية للأسعار والتي سنعمل على أن تتواصل»، بالإضافة إلى «استحداث آلية للتشاور المستمر بين الدولة والموردين حول مسألة أسعار المواد الغذائية».
وأكدت اللجنة أنها تعمل على «الشروع في إخراج المواد الغذائية الأساسية من دائرة تقلبات الأسعار والمضاربات بإعلانها منتجات استيراتيجية تتولى الدولة تنظيم سعرها».
وأعلنت الحكومة أنها «ماضية في تنظيم السوق واتخاذ كل ما يلزم لحماية القدرة الشرائية للمواطنين ولديمومة تموين السوق الوطنية بالمواد الضرورية وذات الجودة»، مؤكدة أنها «لن نتردد في سبيل ذلك في اتخاذ أي خطوات مناسبة مع احترام قواعد المنافسة الحرة وحرية السوق».
وقد نظمت العديد من النسوة الأسبوع الماضي وقفة احتجاجية أمام مبنى الولاية بنواذيبو للتنديد بارتفاع الأسعار وصعوبة ظروف المعيشة في المدينة، وحملت النسوة المحتجات عبوات زيت ومراجل فارغة تعبيرا عن الاحتجاج على الوضع المعيشي ورددن شعارات: الأسعار غالية والزيت غال.
وقالت زينب بنت ابلال وهي إحدى المحتجات إن سكان حي الترحيل يواجهون مصاعب الغلاء وصعوبة الظروف، وأضافت أن هدف الوقفة هو أن يوصلن رسالتهن بضرورة خفض الأسعار وتحسين الظروف المعيشية للسكان في الأحياء، معتبرة أن وضعهن بالغ الصعوبة، وفق قولها، وناشدت بنت ابلال الرئيس محمد الغزواني للتدخل العاجل من أجل خفض الأسعار وتحسين ظروفهن المعيشية الصعبة، وفق تعبيرها.
تأثيرات أخرى
يرجع البعض ارتفاع الأسعار إلى ارتفاع بعض السلع عالمياً، واضطراب الشحن البحري، كما أن المحلات التجارية في موريتانيا عادة عندما تقوم برفع سعر أي سلعة يصبح من المستحيل أن تعود للسعر السابق حتى ولو انخفضت عالمياً، وبالتالي فإن المواطن يكون أمام خيارين أحلاهما مر: إما أن تبقى السلعة على نفس السعر، وإنما أن يتسبب الارتفاع الحاصل في ارتفاع جديد لسعر السلعة، وقد دأبت المحلات التجارية في البلاد على سياسة "الارتفاع يولد الارتفاع" حتى أصبح المواطن شبه متعوّد عليها لوقوعها من حين لآخر.
فالأسعارالغالية جداً ولا ينفع معها إلا الدعم الشامل للمواد الغذائية الضرورية والضرب بيدٍ من حديد المحتكرين والمضاربين، ولا بد من مراجعة الآليات المتخذة في سبيل كفح جماح غول الليبرالية المتوحشة، وقانون العرض والطلب السائد، ففي ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها العالم لا بد من قرار حكومي قوي يأخذ بعين الاعتبار ظروف المستهلكين من الطبقة المتوسطة، أما المعدمون وأصحاب الدخول المتدنية والقوة الشرائية الضعيفة فلا بد من سياسة توزيع مجاني ولو بشكل مؤقت، فالوضع صعب جداً، واتخاذ التدابير اللازمة لخفض الأسعار حتى تتماشى مع القدرة الشرائية المتدنية للمواطنين، وبضرورة تخفيض أسعار المحروقات لما لها من تأثير مباشر على أسعار المواد الغذائية ومختلف جوانب الحياة، وزيادة الأجور وتوفير فرص العمل لكي يتسنى للمواطنين تحقيق الحد الأدنى من العيش الكريم في ظل تردي الوضع المعيشي، ووضع استراتيجيات وطنية جادة وطموحة للأمن الغذائي، وتوفير حاجيات البلاد من المواد الغذائية الرئيسة.
كما لوحظ في السنين الماضية عام 2009 ارتفاع سعر الدولار الواحد 261,8 أوقية قديمة، بحسب التقرير السنوي الصادر عن البنك المركزي عام 2009.
وبحسب أسعار الصرف التي أعلنها البنك في الفترة ما بين 25 و29 يوليو 2019، فإن سعر شراء الدولار يصل إلى 36,61 ويصل سعر بيعه إلى 36,98 أوقية جديدة، وهو ما يعني معدل سعر يصل إلى 367,9 أوقية قديمة.
وبذلك يكون سعر الدولار قد ارتفع خلال العشرية الماضية بأكثر من 106 أوقيات قديمة، وهي زيادة تعادل أكثر من 40% من سعره عام 2009.
وانعكس تراجع الأوقية أمام الدولار على أسعار العديد من المواد الغذائية والسلع الأساسية خلال هذه الفترة، حيث وصلت الزيادة في الأسعار 80% بالنسبة لمادة الأرز، بحسب نشطاء بحماية المستهلك.
فقد أورد موقع المستهلك الموريتاني في إحصائية شملت الفترة ما بين 2008 و2019، أن سعر الأرز من نوع "يبرك" ارتفع من 8250 إلى 14850 أوقية قديمة وهو ما يعادل 80% من سعره، بينما ارتفعت أسعار السكر بـ 41%، واللبن المعلب "روز" بـ 27% واللبن المجفف "سليا" بـ 12%، واللبن المركز "كلوريا" بـ 6%.
ملف العدد جريدة العرب العدد رقم 55

