
ولاء العاني
في كل عام، تعود بعض التواريخ محمّلة بالهيبة، لا تمرّ عابرة في الذاكرة، بل تقف شامخة في الوجدان، توقظ فينا معاني الفخر والانتماء . ويأتي السادس من كانون الثاني ليكون واحدًا من تلك الأيام التي لا تُستعاد كذكرى فحسب، بل كقيمة وطنية تُجدّد فينا الاعتزاز بتاريخٍ صاغته سواعد الرجال، وأقسمت فيه البنادق أن تكون حارسةً للوطن لا عليه.
لهذه المناسبة وقعٌ خاص في قلوبنا، لأنها تشعرنا بالعز والنشوة التي تأخذنا إلى مجدٍ قريب سطرته خيرة رجالات العراق، أولئك الذين تفوقوا حتى على أنفسهم في كل شيء. لم أكن أملّ من الاستماع إلى الأحاديث عن ذلك العالم الذي انتمى إليه، عالمٍ لم يكن الوصول إليه يتم بسهولة أو يسر، بل كان ثمرة انضباط وتضحية وإيمان عميق بالوطن. وحينما يُذكر الجيش العراقي، تقفز أمامي صورة أبي، رحمه الله، الضابط البار بوطنه، الذي لم يخن يومًا. صورة رجلٍ حمل الرتبة وأعطاها حقها، فكان رحيمًا بجنوده، عادلاً مع من حوله، ثابتًا على مبادئه، لم تسمح له مسؤوليته أن يتنازل عن إنسانيته، ولم تُضعف إنسانيته هيبته العسكرية. هكذا كان جيش العراق الحقيقي؛ جيش لا تُقاس قوته بعدد سلاحه فحسب، بل بقيم رجاله، وانتمائهم، وصدق ولائهم. جيش حمل السلاح دفاعًا عن الأرض والكرامة، وجعل من المبادئ درعه الأول، ومن الوطن عقيدته التي لا يحيد عنها.
وفي ذكرى تأسيسه، نستحضر تلك النماذج المشرقة، لا من باب الحنين فقط، بل لتبقى نبراسًا للأجيال، ودليلًا على أن الجندية شرف، وأن الرتبة مسؤولية، وأن الوطن لا يُحمى إلا برجال آمنوا به حتى آخر نبض في قلوبهم. سيبقى السادس من كانون الثاني شاهدًا على أن العراق لم يُبنَ صدفة، ولم يُحمَ يومًا إلا بسواعد أبنائه المخلصين، وستظل ذكرى تأسيس الجيش العراقي مناسبة نستعيد فيها الفخر، وننحني إجلالًا لكل من حمل السلاح وهو يحمل معه قلبًا نابضًا بالوطن، وعهدًا لا يخون.
رحم الله سُراة النصر الذين حملوا الراية بقوة ودافعوا عنها بدمائهم، شهداءنا الذين سيبقون المنارة التي تهدينا إلى الانتصار، كلما ضاقت علينا الدروب وتمزقت الخرائط.















