مغامرة أو مقامرة.. المأزق السياسي بين إيران وأمريكا

جمعة, 02/13/2026 - 16:31

 

سمير عادل

الطرفان في مأزق سياسي بامتياز: الإدارة الأمريكية والنظام السياسي الحاكم في إيران. فكلاهما، بقدر حاجته إلى حرب قصيرة، يحتاج بالقدر نفسه إلى عقد صفقة سياسية تُنهي حالة العسكرتارية التي تلفّ المشهد السياسي في المنطقة برمّته. وبعبارة أخرى، فإن كليهما في وضع لا يُحسد عليه.

وعلى خلاف عدد غير قليل من المراقبين والمحللين الذين يرون أن المبادرة السياسية والعسكرية بيد الولايات المتحدة الأمريكية، فإن المعطيات السياسية لا تشير بوضوح إلى ذلك. فالنظام الإسلامي الحاكم في إيران يراهن على أن الإدارة الأمريكية لن تُقدم على مهاجمته، مستندًا إلى عدم تفويض الكونغرس للرئيس دونالد ترامب بشنّ أي حرب خارجية، وإلى حرص ترامب على الحفاظ على وحدة صف حركة «ماغا» وضمان استمرار تأييدها، وهي الحركة التي أوصلته إلى البيت الأبيض، فضلًا عن مراعاة مخاوف دول المنطقة من اندلاع رياح الفوضى إذا ما أُسقطت الجمهورية الإسلامية بالحرب.

في المقابل، تراهن الإدارة الأمريكية على استعراضها العسكري المكثّف، وعلى هشاشة الوضع السياسي والاقتصادي الإيراني، وعلى سعي النظام الحاكم إلى الحفاظ على بقائه، بما قد يدفعه إلى تقديم تنازلات وعقد صفقة تُرضي إدارة ترامب.

إن القصف الإعلامي المصحوب بدقّ طبول الحرب، والتصريحات السياسية المتصاعدة، والحشد العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، ليست سوى حلقة ضمن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة التي تختصرها عقيدة «أمريكا أولًا». وما يعوق تحقيق هذه الاستراتيجية هو المنافسة الحادة والسباق المحموم مع الدور الاقتصادي الصيني الصاعد باستمرار، والساعي إلى إعادة تشكيل النظام الدولي تحت عنوان «عالم متعدد الأقطاب».

وبعبارة أخرى، تحاول الإدارة الأمريكية تطويق النفوذ الصيني وقطع الطريق أمام تمدّده في المناطق التي تعتبرها استراتيجية. وما فعلته في فنزويلا يتجاوز مسألة النفط، الذي يبدو أنه يثير لعاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كلما تحدّث عن فنزويلا. فهذه الأخيرة تمثّل إحدى بوابات النفوذ الصيني في أمريكا الجنوبية، وتسعى الولايات المتحدة إلى تحجيم هذا النفوذ قبل انتقاله إلى بلدان مثل كوبا وبوليفيا وتشيلي، وعلى رأسها البرازيل، أحد أعمدة منظومة «بريكس» التي تقودها الصين، والتي تُعدّ تهديدًا مباشرًا لهيمنة الدولار، بوصفه ركيزة النفوذ الاقتصادي والسياسي الأمريكي.

وإذا كانت فنزويلا تمثّل للصين قاعدة انطلاق في أمريكا الجنوبية، فإن إيران التي نظامها مستعد لتقديم تنازلات كبيرة في ملفها النووي، تُعدّ حجر الزاوية في مشروع «الحزام والطريق» الصيني في الشرق الأوسط. وقد سعى الرئيس جو بايدن إلى الحدّ من هذا المشروع عبر طرح مبادرة موازية عُرفت بممرّ الهند–الشرق الأوسط–أوروبا، والتي أُعلن عنها خلال قمة مجموعة العشرين في نيودلهي في سبتمبر/أيلول 2023.

وعلى الجانب الآخر، هناك تطلعات الطبقة البرجوازية القومية الإيرانية التي تحتمي تحت شعار «تصدير الثورة». ويجدر بالذكر أنه عُقدت قبل أيام ندوات وحلقات نقاشية لمنتدى مرتبط بالسياسة الخارجية الإيرانية، حضرها معظم وزراء الخارجية الإيرانيين السابقين، حيث أجمعوا على ضرورة سحب شعار «تصدير الثورة»، لعدم جدواه، وأصبح يشكّل عبئًا وضررًا على مكانة إيران، خاصة بعد فشلها في سوريا، وخسارتها لأكثر من 60 مليار دولار من الاستثمارات عقب سقوط نظام بشار الأسد، والعقوبات الاقتصادية الأمريكية على عدد من البنوك العراقية التي تستثمر وتُهرّب وتغسل الأموال لصالح الشركات الإيرانية في العراق والنظام الحاكم بشكل خاص، إضافة إلى احتواء حزب الله في لبنان وقلع انيابه ومخالبه.

وعلى الصعيد الداخلي، فإن النظام السياسي في إيران في مأزق كبير، في ظل انخفاض قيمة العملة المحلية والأزمة الاقتصادية التي تمرّ بها البلاد، والتي أشعلت موجة احتجاجات هي الأكبر من نوعها، وشاركت فيها جميع الطبقات الاجتماعية. فهو غير قادر على تقديم تنازلات اقتصادية لصالح عموم القطاعات، إلا بشكل نسبي لقطاع من البرجوازية المتحالفة معه منذ تأسيس النظام الإسلامي، كما أنه غير قادر على الاندماج الفعلي بشكل طبيعي حسب حركة الرأسمال الموضوعية في العلاقات الاقتصادية الرأسمالية العالمية.

وبشكل آخر، فإن النظام الإيراني بحاجة إلى مبرّرات لقمع الاحتجاجات وخنق أي حركات مطلبية تحاول انتزاع امتيازات مادية من النظام الحاكم، الذي لا يملك في خزانته سوى معاشات ورواتب الأجهزة القمعية وأدوات حماية النظام والسلطة داخليًا وخارجيًا. فهو في مأزق سياسي حقيقي: النظام يتفكّك، وتتآكل شرعيته في الداخل، وفي الوقت نفسه هو بحاجة إلى حرب لقمع الداخل، والسعي لتسجيل انتصارات قد تضفي عليه شرعية داخلية، وتقمع المعارضة والاحتجاجات، وفي الوقت ذاته حماية ما يمكن حمايته سياسيًا في الخارج من ما تبقى من حلفاء أو اذرع ووكلاء بوصفه مخزونًا استراتيجيًا بعد مرور العاصفة.

أمّا الولايات المتحدة الأمريكية، فهي غير قادرة على الاستمرار بالطريقة القديمة، في ظل مديونية تُقدَّر بما يقارب ٣٨ تريليون دولار، وتراجع مكانتها الاقتصادية. وأكثر ما يثير السخرية هو التضليل الذي تمارسه جوقة من الأصوات التي تروّج لفكرة أن ترامب يفضّل الصفقات الاقتصادية على الحروب، في حين أن استراتيجية "السلام بالقوة" التي تنادي بها إدارة ترامب لا يمكن أن تتحقق إلا عبر الحروب. وهذا المبدأ، الذي تختبئ خلفه سياسة البلطجة السياسية، يُراد له أن يُطبَّق عمليًا؛ فنشهد رفع سقف الموازنة العسكرية في عام 2025  من ٨٩١ مليار دولار الى ترليون ونصف ترليون دولار لعام ٢٠٢٦. 

لقد استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية حماية نفوذها السياسي والاقتصادي عالميًا — على الأقل خلال العقدين الأخيرين — عبر قدرتها العسكرية، لا عبر قدرتها التنافسية في المجال الاقتصادي، الذي بات يتراجع أمام الصين.

وباتت الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة الأمريكية، المتمثّلة سياسيًا بالكونغرس الأمريكي، تدرك المأزق السياسي الذي وضعتها فيه إدارة ترامب. لذلك نجد أن قرارين صدرا عنها: الأول، عدم منح أي تفويض لشنّ حرب على أي بلد، عقب اختطاف نيكولاس مادورو، الرئيس الفنزويلي. والثاني، إبطال قرار التعرفة الكمركية على كندا من قبل مجلس النواب، الذي يهيمن عليه حزب ترامب الجمهوري، ورغم أن هذا القرار غير قابل للتنفيذ عمليًا، إلا أنه يحمل دلالة معنوية وسياسية كبيرة.

وبموازاة ذلك، تشهد الولايات المتحدة احتجاجات واسعة ضد سياسة الهجرة، واستمرار التضخم، وسياسة التعرفة الكمركية التي أثقلت كاهل الطبقة العاملة والشرائح الاجتماعية ذات الدخل المحدود. كما خسر الحزب الجمهوري سلسلة من الولايات في انتخابات العمدة والحكام والكونغرس، وكان آخرها خسارته لعضوية الكونغرس في تكساس لصالح الحزب الديمقراطي، وهي ولاية جمهورية محافظة بامتياز، وذلك لأول مرة منذ  عقود. وبعبارة أخرى، فإن هذه الإدارة باتت بحاجة إلى حرب بوصفها سياسة "الهروب إلى الأمام".

صحيح أن قدرات إيران لا تُقارن بقدرات الولايات المتحدة الأمريكية، وأن إيران التي استثمرت في الدول الفاشلة باتت في مأزق حقيقي، إلا أن جميع أوراق الفوضى السياسية والأمنية في المنطقة ما تزال بيدها، سواء بقي النظام أم سقط. وما لم يتحقق في فنزويلا حتى الآن، بعد اختطاف رئيسها، لا يمكن تحقيقه بسهولة في إيران.

وعلى الجانب الآخر، تقف إسرائيل التي لها مصلحة مباشرة في إسقاط النظام الإيراني، لأنها تدرك جيدًا أن تغيير سلوك النظام أمر شبه مستحيل، رغم كونه هدفًا أمريكيًا معلنًا. وإسرائيل، مثل إيران، لا تُبالي بعدم استقرار المنطقة، ويُعدّ الطرفان عاملَي عدم استقرار رئيسيين فيها. ولا يمكن لإسرائيل أن تقف عند حدودها، فهي ترى فرصة مناسبة للانقضاض على النظام الحاكم في إيران، سواء بسبب الوضع السياسي والاقتصادي الداخلي، أو بسبب ضعف حلفائه في المنطقة، أو بسبب وجود إدارة جمهورية يمثّلها شخص مثل ترامب.

وما يثير السخرية حقًا أن ترامب يُعدّ يمثل جناح "الحمائم" إذا ما قورن بأعضاء آخرين في الكونغرس الأمريكي من الحزب الجمهوري؛ فقبل يومين فقط شنّ ليندسي غراهام، رئيس الأغلبية الجمهورية في الكونغرس، هجومًا على قطر وتركيا ومصر لرفضهم أي حرب على إيران، معتبرًا أنهم يدافعون عن نظام “قروسطي وبربري” يقتل شعبه – حسب ادعائه.

وبمعنى آخر، فإن إيران وأمريكا في مأزق سياسي كبير؛ وكل طرف يرى في الحرب مخرجًا محتملًا، حتى باتت الخيارات أمامهم تكاد تكون معدومة. فإيران، إذا طُلب منها تغيير سلوكها، فهذا يعني الانكفاء إلى الداخل، والقبول بالسياسة الأمريكية، وانتظار ساعة انهيار النظام. وفي الوقت ذاته، تدرك أن المواجهة العسكرية قد تكون أقل كلفة سياسيًا في الحسابات الاستراتيجية. إنها أشبه بلعبة قمار، حيث يعتقد كل طرف أنه إما سيربح كل شيء أو يخسر كل شيء.

وبالنتيجة، نحن أمام هبوب عاصفة أقل ما توصف نارية تهدّد أمن وسلامة المنطقة، وقد تكون مرحلة جديدة من "الفوضى الخلّاقة" التي عشنا فصولها منذ غزو واحتلال العراق، مرورًا بالحرب الأهلية فيه، وصولًا إلى ما سُمّي بالربيع العربي، ثم سقوط نجم داعش؛ وهي كلها سنوات “النعيم والرغد”، إذا ما تم مقارنتها في شن أمريكا حربا على ايران ادى الى اسقاط النظام الفاشي والاستبدادي فيها.

 

Share

أخبار موريتانيا

أنباء دولية

ثقافة وفن

منوعات وطراف