جي بي اس.. قصة قصيرة

سبت, 05/30/2026 - 14:36

بعد وصول التكنلوجيا مراحل متطورة جداً، اتخذت الحكومات (في جميع بلدان العالم) قراراً يقضي بحقن شريحة (جي بي اس) تحديد الموقع لجميع مواطنيها، وذلك لعدة أسباب، منها للاستدلال على مكان المخطوف والتائه والغريق والمتعرض لأي حادث، ليتم الوصول إليه بأسرع وقت ممكن.

فاجتمع مجموعة من الشباب، منهم مؤيد لهذا العمل قائلا:

ـــــ نعم، أنا أود ذلك، لحمياتي وحماية أفراد الأسرة.

واعترض اخرون، حيث قالوا:

ـــــ إن ذلك انتهاك صارخ للحرية الشخصية، وكذلك فإننا لا نثق بهذه الحكومات، فقد تكون نيتها السوء مثلاً: الوصول للمعارضين والمتظاهرين والثائرين وقتلهم من خلال التحكم بتلك الشريحة...

فقال آخر: يجب أن يتم الأمر، فهو مفيد في كثير من أبعاده، لكن يجب أن يرتبط بحرية الاختيار، فمن شاء فعل ومن شاء رفض... لكن الحكومات اتخذت قرارها ونفذتهُ بالإكراه، ألزمت جميع مواطنيها بأخذ الحقنة وتثبيت الشريحة.

وهنا قرر الشباب المعارض الهرب وعدم أخذ الحقنة؛ فتواروا عن أجهزة الحكومة، وزوروا بطاقات تثبت بأنهم اخذوا الحقنة، فأحست الحكومات بذلك، فجعلوا أجهزة في الشوارع والمؤسسات تكشف عن الممتنعين.

فضاقت الأرض بما رحبت على هؤلاء الشباب، ولم يدروا ما يفعلوا، وإلى أين يتجهوا؟

بعد أشهر من المطاردة والاختباء، اجتمع الشباب المعارضون في قبو قديم مهجور. كانت أجهزة الكشف الجديدة تنتشر في كل مكان؛ في الشوارع، والمدارس، والمستشفيات، وحتى مداخل الأسواق. لم يعد بإمكان أي شخص أن يعيش حياة طبيعية دون أن يُكتشف أمره.

ساد الصمت بينهم، وكل واحد منهم يفكر في مصيره. عندها رفع أحدهم رأسه وقال:

ـــــ "نحن نحاول الهرب من الشريحة، لكن المشكلة الحقيقية ليست الشريحة نفسها... بل احتكار الحكومات للسيطرة عليها."

نظر إليه الجميع باستغراب.

أكمل قائلاً:

ـــــ "إذا استطعنا الوصول إلى النظام المركزي الذي يدير هذه الشرائح، فربما نستطيع تحويله من أداة للرقابة إلى أداة شفافة لا يملك أحد التحكم بها وحده."

سخر بعضهم من الفكرة، لكن الشاب شرح خطته. كان قد تعرف أثناء اختبائه على مجموعة من المبرمجين والمهندسين الرافضين للقرار. وقد اكتشفوا أن جميع الشرائح تعتمد على شبكة عالمية واحدة، تديرها هيئة سرية مشتركة بين الحكومات.

كانت الخطة جريئة وخطيرة: بدلاً من تدمير النظام أو الهرب منه، سيقومون باختراقه ونشر شفرته للعالم كله. فإذا أصبحت طريقة عمله معروفة للجميع، فلن تتمكن أي حكومة من استخدامه سراً ضد المعارضين أو المتظاهرين.

استغرق الإعداد للعملية أشهراً طويلة. وفي ليلة واحدة، نجحوا في إرسال ملفات النظام إلى ملايين الأجهزة حول العالم. استيقظ الناس صباحاً ليجدوا كل تفاصيل المشروع منشورة على الإنترنت: من يملك صلاحية التتبع؟ ومن يستطيع الوصول إلى البيانات؟ وكيف تُستخدم المعلومات؟

اندلعت مظاهرات في عشرات الدول، لكن هذه المرة لم تكن ضد الشريحة نفسها، بل للمطالبة بحق الاختيار والشفافية والرقابة الشعبية على النظام.

وأمام الضغط الهائل، اضطرت الحكومات إلى التراجع. فأُلغي الإكراه، وأصبح حمل الشريحة اختيارياً، كما أُنشئت هيئات مستقلة منتخبة من المواطنين للإشراف على استخدامها.

أما أولئك الشباب، فقد خرجوا من مخابئهم أخيراً. لم ينتصروا بإسقاط التكنولوجيا، ولم ينتصروا بالهرب منها، بل انتصروا حين جعلوا السلطة عليها ملكاً للجميع لا حكراً على أحد.

وهكذا بقي السؤال مطروحاً للأجيال القادمة:

هل المشكلة في الأدوات التي نصنعها، أم فيمن يملك حق التحكم بها؟!  

.........................................................................................

حيدر حسين سويري

كاتب وأديب وإعلامي

Share

أخبار موريتانيا

أنباء دولية

ثقافة وفن

منوعات وطراف