المنظومة الخليجية وخيارات ما بعد حرب الأربعين

اثنين, 06/08/2026 - 22:41

عادل الجبوري

   اذا كانت الولايات المتحدة الأميركية واوربا ومعظم بلدان اسيا وافريقيا، قد تاثرت اقتصاديا جراء الحرب الإيرانية-الأميركية، فإن منطقة الخليج، كانت بشكل او باخر جزءا من ميدان الحرب، وعاشت دول الخليج وشعوبها ظروفا امنية عصيبة وحرجة وخطيرة للغاية. فإلى جانب اغلاق المطارات وتوقف حركة الملاحة الجوية، واغلاق أسواق المال، والتراجع الحاد في السياحة بكل اشكالها ومظاهرها، فقد تسبب وجود القواعد العسكرية الأميركية والاساطيل الضخمة في مختلف دول الخليج، وانطلاق معظم الهجمات على ايران منها، في اختلال الأوضاع الأمنية الى ابعد الحدود، وبدلا من ان تساهم تلك القواعد والاساطيل الضخمة في حماية امن دول المنظومة الخليجية التي انفقت مئات مليارات الدولارات على شراء الاسلحة المختلفة من الولايات المتحدة وغيرها من الدول الكبرى، ورهنت مصيرها بيد واشنطن، باتت تلك القواعد والاساطيل نقمة عليها، كاشفة عجز الولايات المتحدة عن حماية حلفائها واصدقائها واتباعها، ناهيك عن حماية ممتلكاتها واصولها ومصالحها.

   ربما تكون الحقائق والمعطيات التي افرزتها وبلورتها حرب الأربعين  يوما، صادمة ومؤلمة للخليجيين اكثر من غيرهم. 

   ولعل الحقيقة الأولى تتمثل في ان هذه الحرب أوضحت وأثبتت ان المنظومة الخليجية كانت مكشوفة بصورة كاملة او شبه كاملة، والولايات المتحدة باعت لها الوهم ليس الا، بكلف مالية باهضة. فماذا يعني ان تذهب عشرات او مئات او الاف مليارات الدولات من أموال وثروات الخليج الى الولايات المتحدة، اما بصورة استثمارات، او مقابل أسلحة متنوعة، تبدأ بالطائرات المقاتلة ولاتنتهي الا بالأسلحة الخفيفة، دون طائل.

   وعلى امتداد عقدين من الزمن او اكثر، رددت محافل واوساط  ونخب سياسية وثقافية وفكرية خليجية، بأنه من "من فزاعة صدام حسين إلى فزاعة داعش إلى فزاعة إيران، استمر استنزاف دول الخليج بتصعيد الهواجس الأمنية وجر دول المنطقة لحروب مفتوحة، ولم تكتف الولايات المتحدة بتأسيس قواعد بمناطق إستراتيجية لخدمة مصالحها في تفتيت دول المنطقة وتكريس تبعيتها، بل اتجهت لعقد سلسلة من صفقات السلاح الأمريكي والتعاون الأمني لمواجهة الخطر الإيراني بعد إشعالها لسباق التسلح بالمنطقة عقب توقيع الاتفاق النووي". وهو ما تعده هذه النخب، "عملية ابتزاز أميركي غربي واضحة ومستمرة ومتصاعدة للدول الخليجية لنهب ثرواتها، وإعادة تدوير أرصدتها المالية بحيث تعود إلى الغرب ومصارفه مجددًا، ولا تستفيد منها في الخروج من أزماتها الاقتصادية والاجتماعية، بإهدار الصناديق السيادية الخليجية التي قد تفقد معظم أموالها لتمويل صفقات الأسلحة والإنفاق على القواعد العسكرية رغم أنها تشكل احتياطيا ماليا للأجيال القادمة".

   وربما كان الامر هينا لو اقتصر على النهب والاستحواذ والاستنزاف، ولكن الطامّة الكبرى هي ان كل ذلك كان بلا مقابل ولا ثمن. وكما تقول المتحدثة بإسم الخارجية الروسية "ماريا زاخاروفا"، "وجود قواعد أميركية على أي أرض تابعة لأي دولة لا يوفر أمنا أكبر لتلك الدولة، بل على العكس من ذلك، فإنه يجلب الكوارث على ذلك البلد، كما نشهد الآن في دول الخليج العربية".

  ومما لا اختلاف عليه، ان الأمور تعقدت بدرجة اكبر على دول الخليج، حينما أقدمت ايران على اغلاق مضيق هرمز وعجزت الولايات المتحدة عن فتحه، وراحت تتفاوض مع القادة الايرانيين على ذلك.

   والحقيقة المهمة الأخرى، تتمثل في ان ايران بالرغم من مئات العمليات العسكرية التي شنتها على أراضي سعودية وكويتية وبحرينية وقطرية واماراتية، وحتى عمانية، الا انها تحرص على إقامة علاقات إيجابية بناءة مع حكومات وشعوب تلك الدول، وهي اكدت مرارا انها استهدفت في عملياتها العسكرية مصادر العدوان الأميركي لا غير. ويبدو ان هذا الامر صحيحا الى حد كبير، اذا ما عرفنا ان طهران غادرت أجواء الخصومات بينها وبين دول الخليج العربية، التي سادت خلال العقدين الأول والثاني بعد انتصار الثورة الإيرانية ربيع عام 1979، وراحت تبحث عن التأسيس لارضيات مشتركة تعزز المصالح الاقتصادية والروابط السياسية وفق مقتضيات وضرورات الواقع، وما العلاقات الاقتصادية الشائكة بين ايران ومعظم دول الخليج، وما وجود الجاليات الإيرانية الفاعلة والمؤثرة في البعض منها، الا مصاديق ودلائل على عمق العلاقات والروابط والمصالح بين اطراف هذا الفضاء الإقليمي. وتشير تقارير مختلفة الى ان حجم المبادلات التجارية السنوية بين ايران من جهة ومجموع دول الخليج العربية من جهة أخرى، قد يصل الى اربعين مليار دولار سنويا.

  ولاشك ان ذلك يفترض ان يدفع الأطراف المعنية الى التفكير والتصرف بطريقة اكثر واقعية وعقلانية، والتمييز بين انفاق هائل لم يجلب أي فائدة، وبين استثمار وتوظيف عملي للقواسم المشتركة والمصالح المتبادلة، من اجل تحقيق المزيد من المكاسب، وحينما يحصل ذلك، يتحقق الامن ويزدهر السلام في المنطقة.

   والحقيقة الأخرى، تتمثل في انه شئنا ام ابينا، افضت حرب الأربعين يوما، وقبلها حرب الاثنى عشر يوما، وليس بعيدا عنها احداث ووقائع اقليمية ودولية أخرى، في بروز معالم وملامح معادلات جديدة، ربما تتبلور وتتكامل بعد بضعة أعوام، سوف تتراجع مكانة الولايات المتحدة الاميركية فيها، ويتعمق مأزق إسرائيل، بعد ان تفشل في الحاق الهزيمة بأي من اعدائها، ويتسع ويتنامى تاثير وحضور ايران، وتتراجع وتتشظي اوربا بدرجة اكبر، وتتقدم كل من روسيا والصين خطوات عديدة الى الامام، فضلا عن صعود قوى إقليمية ودولية الى صدارة مسرح الاحداث العالمي، مثل باكستان والهند وتركيا والبرازيل.

  كل ذلك وربما غيره، ينبغي على دول المنظومة الخليجية التوقف عنده، والتأمل فيه طويلا، لتحدد مساراتها، وتصيغ خياراتها المستقبلية، حتى لاتكرر اخطائها، ولا تسيء تقديراتها مرة أخرى.

 

Share

أخبار موريتانيا

أنباء دولية

ثقافة وفن

منوعات وطراف