لماذا تخدم؟

جمعة, 06/19/2026 - 13:10

 

حيدر حسين سويري

في كل عام يتجدد الموسم العاشورائي، موسم إحياء واقعة الطف الأليمة، فتنبض المدن والقرى بمظاهر الحزن والولاء لسيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام. وبين ما نشاهده من مجالس ومواكب وشعائر متنوعة، يبقى مشهد الخدمة من أكثر المشاهد التي تستوقفني وتثير إعجابي ودهشتي.

   ففي طرق الزائرين المؤدية إلى مرقد الإمام الحسين عليه السلام، ترى الشباب والشيوخ، بل وحتى الأطفال، يبذلون جهوداً عظيمة لخدمة الزوار. أيام طويلة تمتد لما يقارب ستين يوماً، وهم لا يقصرون في شيء، يقدمون مختلف أنواع الخدمات من طعام وشراب واستراحة وإرشاد ومساعدة، وكل ذلك بوجوه بشوشة وقلوب منشرحة.

   العجيب في الأمر أنهم يؤدون هذا العمل الشاق وكأنهم (فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ) بمعرفة الحسين وخدمته. لا تسمع منهم تذمراً ولا شكوى، ولا ترى على وجوههم علامات الملل أو التعب، بل إن كلماتهم تقطر لطفاً وكرماً، وتقطر شهداً وعسلا، وكأن خدمتهم للزائرين مصدر سعادة لهم لا عبء عليهم. والأعجب من ذلك أن كل ما يقدمونه يكون مجاناً، ابتغاءً لغاية يؤمنون بها ويعيشونها بكل جوارحهم.

   ولشدة دهشتي، كنت كثيراً ما أتوجه بالسؤال إلى بعضهم: ما الذي دفعك إلى خدمة زوار الإمام الحسين عليه السلام؟

كنت أتوقع إجابات متعددة؛ كطلب الأجر والثواب يوم الحساب، أو تكفيراً عن الذنوب، أو أملاً في نيل الشفاعة من جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. غير أنني فوجئت بأن الجواب الأكثر تكراراً واختصاراً كان:

"حب الحسين."

كلمتان فقط، ولكنهما تختزلان عالماً كاملاً من المعاني.

 

   عندها تذكرت ما يُروى عن مراتب العبادة، وأن الناس ثلاثة أصناف: قوم عبدوا الله رغبةً في الثواب فتلك عبادة التجار، وقوم عبدوه خوفاً من العقاب فتلك عبادة العبيد، وقوم عبدوه حباً له وشكراً على نعمه فتلك عبادة الأحرار.

   وهكذا بدا لي حال هؤلاء الخَدَم. فما خدمتهم لزوار الإمام الحسين عليه السلام إلا صورة من صور خدمة الأحرار؛ أولئك الذين تجاوزوا حسابات الربح والخسارة، واختاروا طريق الحسين منهجاً ونبراساً للحياة. فصار العطاء عندهم حباً، والخدمة شرفاً، والتعب راحة، والبذل سعادة.

   إنهم لا يخدمون لأنهم ينتظرون مقابلاً، بل لأن قلوبهم امتلأت بحب الحسين عليه السلام، ومن أحب شيئاً هان عليه كل ما يبذله في سبيله.

بقي شيء...

   أدركت أن سر هذا المشهد المهيب ليس في كثرة الأيدي العاملة، ولا في حجم ما يُقدَّم من خدمات، بل في ذلك الحب العظيم الذي حوّل الخدمة إلى عبادة، والعطاء إلى رسالة، وجعل من طريق الحسين مدرسةً يتعلم فيها الإنسان أسمى معاني الإيثار والوفاء.

Share

أخبار موريتانيا

أنباء دولية

ثقافة وفن

منوعات وطراف