
يوسف السعدي
في لحظةٍ عراقيةٍ دقيقة، ومع إطلالة شهر محرم الحرام، عادت كربلاء لتفرض حضورها بوصفها قضيةً حيةً لا ذكرى عابرة، ومنهجاً متجدداً لا حدثاً تاريخياً منقطعاً، فحين ترتفع راية الإمام الحسين (عليه واله أفضل الصلوات)، تتجاوز المناسبة حدود الحزن والطقوس، لتتحول رسالةً أخلاقيةً وسياسيةً واجتماعيةً تستنهض الوعي، وتوقظ الضمير، وتدفع نحو الإصلاح وصناعة المستقبل.
الخطاب الحسيني، في عاشوراء، رسم معادلةً واضحةً تقوم على ربط قيم النهضة الحسينية بمتطلبات بناء الدولة الحديثة، فالإمام الحسين لم يخرج طلباً لسلطة، ولم يبحث مكسباً شخصياً، بل حمل مشروع إصلاح شامل اختصره بقوله الخالد: «إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي»، تلك العبارة ما زالت تمثل بوصلةً أخلاقيةً قادرةً على توجيه المجتمعات وسط أزمنة الاضطراب والتحولات الكبرى.
عاشوراء ليست بكاءً مجرداً، ولا عاطفةً منفصلةً عن الواقع، بل مدرسة وعي ومسؤولية، مدرسة تعلم الإنسان مواجهة الانحراف، والتمسك بالمبادئ، وحمل أمانة الإصلاح مهما تعاظمت التحديات، ومن هذا المنطلق، جاء استحضار كربلاء بوصفها نموذجاً عملياً يربط الإيمان بالفعل، والانتماء بالمسؤولية، والعقيدة بخدمة المجتمع.
مدرسة المرجعية رسخت ثقافة الحوار، وعززت قيم الدولة، وحملت رؤيةً متوازنةً جمعت بين الثوابت الدينية ومتطلبات الاستقرار الوطني، وهو النهج الذي تبدو الحاجة إليه اليوم أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
بناء الدولة مسؤولية جماعية لا تتحقق بالشعارات والخطابات، وإنما بالعمل والإنجاز وتحمل الواجبات، فالدولة القادرة تمثل الضامن الحقيقي للحقوق والحريات والعدالة والاستقرار، بينما يؤدي ضعف المؤسسات إلى اتساع الأزمات وتعقيد التحديات.
تعزيز سلطة القانون وترسيخ هيبة المؤسسات وتمكين الأجهزة الرسمية من أداء مهامها بكفاءة، والاستقرار السياسي والأمني لم يعد خياراً مؤجلاً، بل ضرورة وطنية تفرضها طبيعة المرحلة وتعقيداتها الداخلية والإقليمية، نجاح الحكومة يمثل نجاحاً للعراق بأكمله، وأن معيار الحكم الحقيقي يبقى حجم الإنجازات المحققة على أرض الواقع، لا كثرة الوعود أو الشعارات،
قضية حصر السلاح بيد الدولة، ركناً أساسياً ضمن مشروع استكمال بناء الدولة وترسيخ قوتها واستقرارها، بالحوار والتفاهم والحكمة، مع الحفاظ على مكانة التشكيلات الأمنية الوطنية وتضحياتها الكبيرة، وفي مقدمتها الحشد الشعبي الذي قدم تضحيات جساماً خلال مواجهة الإرهاب.
خفض التوترات وإيقاف دوامات التصعيد والحروب ضرورة، فشعوب المنطقة، تستحق فرص التنمية والاستقرار بدل النزاعات المستمرة، من خلال فتح أبواب الحوار، أن الأمن الإقليمي يشكل مصلحة مشتركة لجميع الأطراف.
العراق، بلدٌ واجه الحروب والإرهاب والأزمات، لكنه استطاع المحافظة على تماسكه بفضل وعي أبنائه وتمسكهم بوحدتهم الوطنية، ولذلك يجب تغليب المصلحة العامة، وتعزيز التكاتف المجتمعي، وإبعاد البلاد عن الاستقطابات والصراعات التي تستنزف الطاقات وتعطل فرص التقدم.
مشاهد الزائرين والمواكب الحسينية والجماهير التي تقطع المسافات الطويلة رغم قسوة الظروف المناخية، تلك الصور لا تعكس مجرد مظاهر ولاء فقط، بل تقدم دليلاً حياً على قوة الانتماء وعمق القناعة واستمرار حضور القضية الحسينية داخل الوجدان الجمعي للأمة.
عاشوراء ما زالت قادرة على إنتاج المعنى، وصناعة الوعي، وتوجيه البوصلة نحو الإصلاح، فالحسين لم يؤسس ثورة احتجاج مؤقتة، بل أرسى مشروعاً إنسانياً خالداً يقوم على الكرامة والعدالة والمسؤولية، وبينما يواجه العراق والمنطقة تحولات متسارعة، تبدو الحاجة متجددة إلى استلهام تلك القيم وتحويلها سلوكاً عملياً يترجم داخل مؤسسات الدولة ومجالات العمل العام.
تبقى كربلاء مدرسةً مفتوحةً للأجيال، ويبقى الحسين عنواناً للحق والإصلاح، وتبقى عاشوراء رسالةً تؤكد أن الأمم القادرة على صناعة مستقبلها هي تلك التي تحوّل المبادئ إلى أفعال، والوعي إلى مشروع، والانتماء إلى مسؤولية، ففي زمن تتكاثر فيه التحديات، يظل صوت الحسين يعلن حقيقة واحدة لا تتغير، أن الإصلاح طريق النجاة، وأن الكرامة أساس البناء، وأن الدولة العادلة تمثل الحصن الأمتن لحماية الأوطان وصيانة مستقبل الشعوب















