شيزوفرينيا واشنطن:الجلاد الأميركي يرتدي ثوب الضحية هرباً من الحساب المحتوم

سبت, 07/11/2026 - 18:53

 

 

الكاتب/ اسعد عبدالله بدعلي

 الحديث عن "تصعيد غير مسبوق في لغة الخطاب الدولي" ليس سوى التوصيف المهذب للأكاذيب الهوليودية المعتادة؛ فالقصة برمتها تتلخص في أن نزيل البيت الأبيض "غريب الأطوار"، دونالد ترامب، قرر فجأة أن يتخلى عن دور "رعاة البقر" المتبخترين بأسلحتهم، ليرتدي ثوب الضحية المذعورة، معلناً بملء فمه الممتلئ بالتهديدات أنه بات "الهدف رقم واحد" على قائمة الاغتيالات الإيرانية!

الرجل الذي يوزع أوامر القتل والتدمير حول العالم كأنها بطاقات معايدة، يعيش اليوم حالة من الهستيريا المضحكة، ويهدد بإطلاق آلاف الصواريخ الجاهزة والموجهة نحو طهران لمجرد أن "شبحاً" أو شائعة مرت بجانب منامه، متناسياً أن من يملك الجرأة على التهديد ليل نهار، لا يتباكى أمام وسائل الإعلام مستجدياً عطف الرأي العام كطفل خائف من الظلام.

هذا التسريب الفاضح والتصعيد المسرحي المتزامن لا يحتاج إلى فك شفرات أو عباقرة في الجيوسياسية لمعرفة غاياته.

هذه المخاوف ليست "خوفاً حقيقياً" نابعاً من شجاعة مفترضة، بل هي مجرد "شماعة" سياسية وعسكرية مكشوفة، وفيلم أميركي محروق السيناريو, إنها محاولة بائسة لقلب الحقائق وترسيخ معادلة مقلوبة يُصوّر فيها الجلاد الأميركي والعالمي نفسه كحمل وديع مهدد بالافتراس، ليبرر أمام شعبه والعالم أي حماقة عسكرية قادمة أو ضربة غادرة ضد إيران.

إنه الهروب إلى الأمام بصناعة عدو وهمي يهدد "رأس الإمبراطورية"، لتمرير أجندات معقدة, وتغطية الفشل في إخضاع المنطقة عبر الحصار والضربات بالوكالة، متوهمين أن التباكي ورفع سقف التهديد الصاروخي يمكن أن يغسل دماء الأبرياء من أيديهم، أو يمنحهم التفويض الأخلاقي لشن عدوان جديد, وهم يدركون تماماً أن كلفته ستكون أغلى بكثير من حساباتهم السطحية.

 

 

·     كوابيس "أبو إيفانكا":

من قال إن مخاوف هذا المخلوق البرتقالي مجرد أوهام؟ بل هي الواقع بعينه، والهاجس الأمني الذي يجعله يلتفت وراءه كلما سمع صوت ألعاب نارية! لنكن منصفين مع خوفه؛ فالرجل دخل في "حسبة" مع محورٍ لا ينسى ثأره، ويدرك تماماً أن من أمر باغتيال الحاج قاسم سليماني عام 2020 قد حجز لنفسه مقعداً دائماً في قطار القلق.

المسألة عند الإيرانيين وخط المقاومة ليست "زعل سياسي" ينتهي بتبادل السفراء، بل هو "عهد دمٍ وثأر لا يموت". هذا التعهد المقدس بالقصاص العادل, لم يعد مجرد ملفات سرية في أروقة فيلق القدس، بل صار مطلباً شعبياً وعقائدياً يُهتف به جهاراً نهاراً. ولعل المفارقة المضحكة هي تلك الملايين التي خرجت مؤخراً في تشييع السيد المرشد، حيث تحولت التكبيرات والشعارات المزلزلة إلى ما يشبه "قائمة طلبات إلهية" واضحة وصريحة، تنادي برأس ترامب وحليفه نتنياهو على طبق من حديد. تخيل حال ترامب وهو يترجم هذه الهتافات ليعرف أن الجماهير لم تعد تطالب بشعارات عامة، بل تدعو باسمه الثلاثي في صلواتها!

ولأن المخرج الإسرائيلي يتقن فن صب الزيت على النار، سارعت استخباراته لترفع لواشنطن تقارير "مرعبة" تفيد بأن النوايا الإيرانية تحولت إلى خطط عملية لاقتناص رأس الهرم الأميركي. وهنا بلغت الكوميديا ذروتها؛ إذ لم يجد جهاز الخدمة السرية الأميركي حلاً عبقرياً لحماية رئيسهم المذعور سوى تغيير طائرته الرئاسية! وكأن الصواريخ الدقيقة الموعودة ستقف حائرة وتائهة في السماء وتقول: "عذراً.. هذه ليست الطائرة القديمة، لنعد إلى القواعد!". هذا التخبط الاحترازي يكشف للجميع كيف أن إمبراطورية الاستكبار باتت تبحث عن تمويه الطائرات هرباً من وعيد المؤمنين.

أما حكاية "النجاة السابقة" وحادثة بنسلفانيا عام 2024 التي يتفاخر بها ويرى فيها عناية إلهية، فقد تحولت في عقله وعقل قيادته إلى لعنة من الشك والقلق المضاعف. هم يتعاملون الآن مع أي تسريب استخباراتي برعب طفولي؛ لأنهم يدركون أن رصاصة بنسلفانيا الطائشة التي أخطأت أذنه لم تكن سوى "قرصة أذن" دنيوية، بينما الحساب الحقيقي والقصاص لدم الشهداء لا يخطئ هدفه، ولا ينفع معه حذر، ولا تحميه طائرات الخدمة السرية، ليظل هذا الطاغية يعيش في برزخ الخوف، ينتظر المكتوب الذي لا مفر منه.

 

 

·     فيلم "دراما الاغتيال" مجرد ورقة تفاوضية

من قال إن الجماعة في واشنطن يبكون حقاً على حياة رئيسهم المحبوب "أبو إيفانكا"؟ المسألة وما فيها، وبعيون العارفين هي "طبخة سياسية" أُخرجت من مطابخ هوليوود بتوقيتٍ مدروسٍ جداً، لتكون بمثابة الغطاء الشرعي الذي يُلعب به على عقول الشارع الأميركي والكونغرس، فبينما يرى السذج تهديداً أمنياً، يرى العارفون في هذا العويل توظيفاً خبيثاً يمكن تفكيكه بضحكة ساخرة عبر نقطتين:

أولاً، الجماعة يبحثون عن "مظلومية أميركية" مفبركة لشرعنة انهيار الهدنة! فالأوضاع في مضيق هرمز مشتعلة، والضربات المتبادلة فوق المواقع الإيرانية والخليجية جعلت اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت يترنح ويمشي على عكازين. ولأن ترامب يريد التملص من هذا الاتفاق وإكمال مسيرته العدوانية دون أن يُحاسبه أحد في الكونغرس أو يُقال عنه "مجرم حرب"، وجد في حكاية "يا ناس الحقوني يريدون اغتيالي" الذريعة القانونية والأخلاقية الذهبية. إنها الخدعة الكبرى لشن ضربات عسكرية واسعة النطاق تحت شعار "الدفاع الاستباقي عن رأس القيادة"، وكأن لسان حاله يقول: "أنا لا أعتدي على أحد، أنا فقط أحمي أذني الباقية من صواريخ محور المقاومة!".

ثانياً، هذه "الشوشرة" الإعلامية ليست إلا سلاحاً بائساً للضغط في مفاوضات متعثرة وتهرباً من استحقاقاتها.

وإيران كعادتها ثابتة على شروطها ولا تمنح الأميركيين صكوك طاعة هنا، وفي لحظة الإفلاس التفاوضي، يسحب ترامب ورقة "التهديد بالاغتيال" ليصنع منها سقفاً هجومياً هوليودياً، محاولاً إرعاب طهران وإجبارها على تقديم تنازلات جوهرية، معتقداً بغبائه المعهود أن التلويح بـ"التدمير الشامل" تحت ذريعة حماية حياته الثمينة سيرعب قوماً يتمنون الشهادة ويطلبونها في صلواتهم! إنها مجرد مناورة تفاوضية مكشوفة، تظهر فيها أمريكا بمظهر القوي المتغطرس، وهي في الحقيقة ترتعد خوفاً من بأس الصادقين.

 

 

·     مسرحية "تسريبات السيرك الكوني"!

من يظن أن هذه التسريبات خرجت على شاشات "سي إن إن" وجرائد أمريكا بالصدفة أو بفعل شطارة صحفية، فهو واهمٌ يعيش في غيبوبة سياسية؛ فالمخرج خلف الكواليس يطبخ الأهداف الخفية بملعقة "هوليودية" مفضوحة، ويمكن اختزال هذا العرض المسرحي في ثلاثة فصول مضحكة:

الفصل الأول يكمن في نكتة "الردع الاستباقي"؛ حيث يخرج الحاج "أبو إيفانكا" متبختراً ليعلن للعالم بأسلوب "أفلام الكاوبوي" أن الأوامر صدرت للجيش بإطلاق ألف صاروخ فوراً إذا تحركت نملة إيرانية نحو معاليه! الجماعة في واشنطن يحاولون صناعة معادلة ردع نفسية بائسة، يربطون فيها سلامة "شعر ترامب الأشقر" بمصير المنشآت الحيوية في إيران، والواقع أن هذا التهديد ليس علامة قوة، بل هو قمة "الفوبيا" والرعب من بأس رجالٍ لا تهزهم قعقعة السلاح، بل يبحثون عن الشهادة.

أما الفصل الثاني، فهو اللعبة العتيقة بـ "الداخل الأميركي" والالتفاف حول القائد المستهدف. فجأة، تحول ترامب من رئيس تحاصره الأزمات والانتقادات إلى "المستهدف الأول من أعداء الأمة"، في محاولة مكشوفة لاستدرار عطف الناخبين وإخراس أي صوت معارض لسياساته الخارجية المتخبطة في شرقنا الأوسط. إنهم يصنعون منه "بطلاً قومياً" مظلوماً ليحصل على تفويض شعبي مجاني يتيح له اللعب بالنار في المنطقة دون حساب.  

موضوع "البصمة الإسرائيلية" الواضحة وضوح الشمس في رابعة النهار. فالتقارير الممررة من تل أبيب لواشنطن حول دقة التهديد الإيراني ليست سوى "إسفين" يهودي لجرّ أمريكا من أذنها إلى مواجهة شاملة ونقطة لا عودة. الصهاينة، الذين يرتعدون خلف جدرانهم من صواريخ المقاومة، يلعبون على الوتر الحساس لعقدة النقص الأميركية المتمثلة في "الأمن الشخصي للرئيس"، محاولين توريط الجيش الأميركي في ضربة قاصمة للمنشآت الإيرانية نيابة عنهم. إنها محاولة مكشوفة لـ "الاستحمار السياسي"، حيث تحاول ذيل الكلب الإسرائيلي أن تهز الكلب الأميركي الأكبر، متناسين جميعاً أن هذه الألاعيب والتسريبات المسرودة بنكهة الإفلاس لن تغير من حقيقة أن معادلة الثأر قد كُتبت، وأن تبادل الأدوار بين الجلاد والضحية لم يعد ينطلي حتى على ألاطفال.

 

 

·     خاتمة السيرك: حين يعجز المخرج عن تغيير النهاية!

في نهاية هذا العرض المسرحي الطويل، يبدو واضحاً أن كل جدران واشنطن المنيعة، وتقارير تل أبيب الملغومة، وطائرات التمويه الحديثة، لن تكون كافية لترميم الشروخ التي أحدثها الرعب في قلب الإمبراطورية العجوز. لقد سقطت الأقنعة وتهاوت فصول "الدراما الهوليودية"؛ فلا التباكي وصناعة مظلومية "الرجل المستهدف" منح ترامب صك الغفران عن جرائمه السابقة، ولا حكاية الألف صاروخ المستنفرة نجحت في صياغة معادلة ردع تُخيف قوماً يرون في الشهادة فوزاً عظيماً وبداية الحياة الحقيقية.

المعادلة اليوم أصبحت أعمق بكثير من حسابات الصناديق الانتخابية الأميركية أو المناورات التفاوضية المتعثرة؛ فالأمر بالنسبة لمحور الصادقين هو دينٌ مستحق وقصاص آتٍ لا تذوبه السنون. وما بين ذعر "أبو إيفانكا" البرتقالي ومكائد الذيل الصهيوني الذي يحاول هزّ الكلب الأميركي، يظل القرار الحسيني ثابتاً: "دماء الشهداء ليست للمساومة، والثأر عهدٌ مـكتوب بنبض العـقيدة".

ليطلقوا ما شاؤوا من تسريبات عبر "سي إن إن"، وليغيروا الطائرات والخطط كما يريدون، فإن قطار القلق الذي يستقله ترامب لن يتوقف، ولن ينجح الجلاد في لعب دور الضحية طويلاً، فالأيام بيننا، والتاريخ لا يكتبه المخرجون في واشنطن، بل تصنعه دماء الشهداء الساكنة في عروق الأرض، والتي تنتظر لحظة الحساب المحتوم.. ولات حين مناص!

 

Share

أخبار موريتانيا

أنباء دولية

ثقافة وفن

منوعات وطراف