الكونكريت

جمعة, 10/09/2026 - 13:03

 

 كيف تحول الكونكريت من مادة بناء إلى أيقونة للفن العصري

لم تعد الخرسانة مجرد مادة صلبة صامتة تُشيد بها جدران المباني وأساسات السدود، بل شهدت السنوات الأخيرة تحولاً نوعياً في رؤية الفنانين والمصممين لهذه الخامة الصناعية؛ حيث أصبحت وسيطاً تعبيرياً يتشكل بين أيديهم ليمنح المساحات لمسة فنية فريدة تنبض بالحداثة والجمال.

يعود هذا التطور في الأصل إلى منتصف القرن العشرين مع ظهور العمارة الوحشية، وهي حركة معمارية جرأت على إبراز الإسمنت بنقائه المجرد دون تغطية أو تجميل. 

ومع مرور الوقت، لم يعد هذا الطابع المباشر حكراً على البنايات العالية والمشاريع الضخمة، بل انتقل إلى الورش الفنية الصغيرة والأنامل المبدعة التي نجحت في نقل الكونكريت من عالم الضخامة والمعمار إلى عالم القطع المصغرة والديكورات الأنيقة.

 

إن هذا التحول لم يكن ليتحقق لولا فهم المبدعين لطبيعة المواد؛ فصناعة قطعة فنية من الكونكريت تتطلب مزيجاً دقيقاً من الإسمنت والرمل والماء، يُطعم أحياناً بصبغات وأكاسيد ملونة تعطي تأثيرات رخامية شاعرة. 

كما أتاح استخدام قوالب السيليكون الحديثة، والملدنات الكيميائية، والألياف الزجاجية، إمكانية إنتاج أشكال ذات حواف ناعمة وصلابة عالية دون تعرضها للتشقق، لتأتي مرحلة الصنفرة والعزل بالحماية النهائية التي تبرز دفقات اللون وملمس السطح.

 

تتجسد روعة هذا الفن في التناقض البصري واللمسي الذي يقدمه؛ فهو يجمع بين ثقل الخامة وطابعها الصناعي البارد 

 من جهة، وبين انسيابية التصاميم ودفء الألوان والملمس الناعم من جهة أخرى. 

ولعل هذا التناغم هو ما جعل الكونكريت يتسلل بسلاسة إلى تفاصيل حياتنا اليومية، بدءاً من أواني النباتات وحوامل الشموع وصواني التقديم، 

وصولاً إلى قطع الأثاث الفريدة كطاولات القهوة ووحدات الإضاءة، وحتى الحلي والإكسسوارات الشخصية المدمجة بالخشب أو المعادن.

 

تتلخص رحلة صياغة الكونكريت في كونها مزيجاً بين العلم والحس الفني؛ تبدأ بالتصميم وتجهيز القوالب، مروراً بضبط الخلطة والتلوين، وصولاً إلى الصب الدقيق مع تفريغ فقاعات الهواء، ثم الصبر على مرحلة الجفاف قبل اللمسات الأخيرة للتنعيم والعزل. إنها دورة كاملة تحول المسحوق الرمادي الجاف إلى تحفة قائمة بذاتها.

 

إن فن الكونكريت يعيد صياغة مفهومنا الجمالي للمواد من حولنا؛ فهو يبين كيف يمكن للمادة الصماء الصلبة أن تتحول بفضل الابتكار والشغف إلى لغة فنية دافئة تضفي شخصية فريدة وأناقة معاصرة على كل زاوية توضع فيها.

                            هانم داود

Share

أخبار موريتانيا

أنباء دولية

ثقافة وفن

منوعات وطراف