فلسفة الشعائر الحسينية

خميس, 09/20/2018 - 09:16
حيدر حسين سويري

حتى تستمر قضية(نظرية فكرية أو دينية) فلا بُدَّ أن تكون لها طقوس وأعمال خاصة بها وتدل عليها، وهذه الطقوس والأعمال قد يُضاف إليها أو يُرفع منها بحكم الزمان والمكان، ولا ضرر في ذلك، ما دام مضمون القضية ثابت ولا يتغير.

   القضية الحسينية لها شعائرها أيضاً، الخاصةِ بها والدالة عليها، منها لبس السواد وقراءة الملحمة والوقوف على أهم المبادئ التي ضحى من أجلها الحسين وأصحابه، وإقامة المراثي والتعازي والقراءات الشعرية بصوت وألحان حزينة، وتوزيع الطعام والشراب على المعزين والزائرين للضريح الشريف في كربلاء المقدسة وباقي أماكن التعزية، كذلك الأتيان ببعض الأعمال العبادية مثل الصلاة وقراءة القرآن الكريم تأسياً بما فعلهُ أصحاب الحسين لية العاشر من شهر محرم، أي الليلة الأخيرة لهم قبل المعركة وإستقبال الشهادة في سبيل قضيتهم، قضية التحرر ورفض العبودية وأداء الواجب في قول كلمة الحقِ عن سلطانٍ جائر.

   المهمة الرئيسية لكل الشعائر(لأية قضية كانت) هي الحفاظ عليها من الإنقراض والزوال، كذلك إيصالها من جيلٍ إلى آخر، وهي في حدِ ذاتها تربية من نوع خاص، تتبع آلية معينة لأداء وظائف إجتماعية وسياسية صحيحة، تبني الفرد والمجتمع فتحقق فائدتها المرجوة منها، لذا يأتي السؤال: هل جميع الطقوس والأعمال(الشعائر) التي تؤدى في القضية الحسينية صحيحة؟ وهل حققت هذه الشعائر الأهداف المرجوة منها؟ بمعنى هل أوصلت ما أراد الحسين حقاً من ثورتهِ وقضيته؟

   للإجابة على هذه الأسئلةِ وغيرها سنعمل إستطلاعاً للرأي، لعلنا نصل إلى إجابة واضحة وجيدة:

   "المهندس الإستشاري ماجد النمر" يرى: عندما يعتقد مجتمع أنه يحيي شعائر شعلة الإصلاح الألهي في الخلق(الإمام الحسين) لأكثر من ٥٠ يوم من كل عام، ثُمَّ نرى أن هذا المجتمع لا يزداد إلا فساداً ونفاقاً وكذباً، بل أصبح أيقونة عالمية في السرقات والإنحلال والغش والإحتيال، ألا يدعونا ذلك الى مراجعة جريئة لهذا الإسلوب؟ لأن الفشل في أية قضية، إما أن يكون في الموضوع أو في التطبيق، ولا أعتقد أن هنالك مَنْ يعتقد بوجود خلل، في قضية الإصلاح التي تبناها الامام الحسين! مما يجعلنا أمام خيار واحد لا ثاني له، أنَّ إحيائنا للشعائر بهذا الإسلوب والطريقة في وادٍ وقضية الحسين في واد آخر، وإلا فأيُّ إحياءٍ لشعائر الاصلاحِ هذا الذي جعلنا في قعر التصنيف العالمي في الفساد وسوء التعليم والقضاء والخدمات وحتى التعامل الانساني؟! اين النتائج المرجوة؟ أم إنهُ كرنفال أجوف بلا مضمون لا يسمن ولا يغني من جوع؟

   "ضرار صادق" يرى: هي ليست أكثر من مظاهر يتبارى فيها الأغلب بعدد القدور المنصوبة والأموال المبذولة، بينما تراه في العادة شخص سيء الخلق وفظ التعامل مع الناس، وحين نبدي رأياً، ينهرونا باسم الشعائر والحرية الشخصية!

   "علي السومري" يرى: هي دروس من ثورة الإمام الحسين تعلمنا أن الدين قد يمتطى أحياناً ويسيس، وتسخر الشريعة وفتاوى الشريعة لقلع رأس من أراد إحياء الشريعة، بالمال والمناصب.كما هو حالنا اليوم!

   "محمد مهندس في شركة مصافي الوسط" يرى: هذا ليس تنظيراً مني، لكني لا أتفق مع اإنتقاد الشعائر فقط، والتوجيه فيما بيننا وبين أنفسنا، أو النشر الذي لا ضير فيه لكنهُ لا يكفي، لذا أرى لو بدأنا بالتوجيه ميدانياً، أنا شخصياً ذهبت لأكثر من موكب خدمة وطرحت عليهم أنَّ الحسين فكرة وليست مظهر، فهل من يقومون بخدمة زوار الحسين في مواكبكم مؤهلين؟ فأجابني أحدهم: انهم يقومون بخدمة الزوار على أكمل وجه، فهم يقدمون الطعام والشراب وكافة سبل الراحة؛ أفلا ترى ذلك؟! فابتسمت  قائلاً: يُشكرون على ما يفعلون، لكن هل يؤدون الفرائض مثل الصوم والصلاة وغيرها؟ هل يعرفون لماذا خرج الحسين؟ بمعنى فكرة الخروج والقضية الحسينية؟ هل يمقتون الكذب والنفاق والعبودية والذل وغيرها؟ المهم لا يضر إن قمنا بتوعية أنفسنا ثُمَّ المجتمع ميدانياً.

   "جلال ماجد" يرى بل يرد على "ماجد النمر" قائلاً: الفاسدون ممن يحيطون بِنَا في نطاق دوائر الدولة، كقيادات ومسوؤلين(الأغلب وليس الاعم) هل تجدهم يتنازلون عن( بريستيجهم!) ويمارسون الشعائر الحسينية المقدسة؟ أم إننا نراهم بعيدين عنها جملة وتفصيلا، ويتعالون عليها ويعتبروها متخلفة، وأنها تقلل من مستواهم؟! أليست هذه هي الحقيقة؟! فكيف والامر كذلك؟! نعتبر أن هذه الشعائر لا تنفع ولا تسمن ولا تغني من جوع، فأولئك الذين بتجمعهم مع بعضهم البعض يكونون الهرم، الذين بفسادهم فسد الهرم ككل، وأولئك طالما(كما أسلفنا) ليس في بالهم الشعائر من بعيد أو قريب، فكيف نحسبهم على إنتفاع المجتمع بالشعائر من عدمه؟! لأنهم هم المؤثرون على الوضع وليس البسطاء الممارسين لتلك الشعائر، ولا نعمم لأن منهم ذو نية صافية، ففي اللحظة المناسبة نجده يتأثر تأثراً عمليا بتلك الشعائر المقدسة، تأثراً كبيراً غير متوقع، كما شاهدناه واقعاً من أشخاص، قاموا ببطولات لم نتوقعها أبان الانتفاضة الشعبانية في تسعنيات القرن الماضي ضد الطاغوت الاكبر صدام، أو ما رأيناه من عمل المتطوعين والحشد الشعبي في مقاتلة داعش، أو أن يتفانى الشخص بعمله، كما لاحظنا تاثر أبناء المرجعية وتسابقهم لتوفير خدمة الماء لأهالي البصرة الكرام، متأثرين بفكر الإمام "الحسين" وبإيثار أخيه "العباس". والصنف الاخر قد يكون تدفعه أمور اخرى لأدائها من باب الرياء أو أمور اخرى، لكن أيضا نتوقع من مقام الامام الحسين عند الله تعالى أن ينعم على هذا الصنف بالهداية.

   صراحة القول: إنَّ الحكم بكون تلك الشعائر(بعضها أو كُلها) صحيحة أو خاطئة هو من إختصاص الفقيه، حيثُ هو مَن يبتُ بحلية الأعمال أو حرمتها وفق الشريعة الإسلامية؛ أما عن كون أنَّ هذه الشعائر حققت الفائدة المرجوة منها؟ فنعم، وأن تكن بنسبةٍ قليلة ولكنَّا جنينا ثمارها خصوصاً في قضية مقاومة الإحتلال وطرد داعش، ولولا هذه الشعائر لمُحي أثر الحسين وقضيتهِ من التاريخ كما مُحي غيرها من القضايا والشخصيات، التي يعتبرها البعض اليوم مجرد أساطير وخرافة.

   بقي شئ...

"القضية الحسينية" مدرسة، وليس كل مَن دخل المدرسة أخذ الدرجة الكاملة(100%)، بل ليس كلهم يتجاوزون الإمتحان والإختبار.

.................................................................................................

حيدر حسين سويري

كاتب وأديب وإعلامي

عضو المركز العراقي لحرية الإعلام

 

Share

أخبار موريتانيا

أنباء دولية

ثقافة وفن

منوعات وطرائف