الدولة المزدوجة في إيران: كيف صُمِّمت ولاية الفقيه للبقاء

جمعة, 01/16/2026 - 15:15

 

د. ثائر العجيلي

المقدمة :

لم تُبنَ دولة ولاية الفقيه في إيران بوصفها نظامًا دينيًا تقليديًا، ولا كدولة ثورية مؤقتة، بل كـ "تركيب سياسي مركّب" صُمِّم منذ لحظة التأسيس ليجمع بين نقيضين متكاملين. من جهة، نظام مؤسساتي حديث يستعير أدوات الدولة الديمقراطية الغربية: دستور، برلمان، انتخابات، حكومة، وقضاء. ومن جهة أخرى، سلطة فردية ثيوقراطية طائفية شيعية اثني عشرية مطلقة تتمركز في موقع المرشد، وتمسك فعليًا بمفاصل القرار الأمني والعسكري والقضائي والإعلامي. هذا البناء لم يكن تناقضًا عرضيًا، بل خيارًا استراتيجيًا واعيًا هدفه إنتاج دولة قادرة على البقاء، عبر توزيع الأدوار بين وجه مؤسساتي يُستخدم لامتصاص الغضب وإدارة السياسة، ووجه عقائدي-أمني يتقدّم عند الخطر للحسم والقمع وحماية جوهر النظام . اليوم ، ومع اتساع الاحتجاجات وسقوط آلاف القتلى والجرحى والمعتقلين، لم تعد الأزمة محصورة في حكومة أو وضع اقتصادي، بل طالت منطق الدولة نفسه. يترافق ذلك مع تصاعد نُذُر ضربة عسكرية أميركية محتملة، وتصريحات وضغوط دولية، في لحظة تختبر فيها الدولة المزدوجة أقصى حدود قدرتها على التماسك . من هنا، لا تسعى هذه المقالة إلى التنبؤ بسقوط النظام أو بقائه، بل إلى تفكيك هندسة الدولة المزدوجة في إيران، وفهم كيف صُمِّمت ولاية الفقيه للبقاء، وأين تبدأ حدود هذه الصلابة عندما يتقاطع ضغط الداخل مع تهديد الخارج .

 

كيف صُنعت الدولة المزدوجة ؟ 

دولة ولاية الفقيه ليست دولة "ناقصة الديمقراطية"، بل دولة صُمِّمت على مستويين متوازيين. المستوى الأول مؤسساتي شكلي، يمنح النظام مظهر الدولة الحديثة القابلة للتعامل الدولي، ويوفر له أدوات إدارة المجتمع، وتدوير النخب، وتنفيس الأزمات. أما المستوى الثاني فهو جوهر الدولة الحقيقي: سلطة فردية مقدّسة، غير خاضعة للمساءلة، تمسك بالأمن والعسكر والقضاء والإعلام، وتملك حق تعطيل كل ما دونها. هذا التصميم منح النظام قدرة نادرة على المرونة دون التفكك. فعندما تهدأ الأوضاع تتقدم المؤسسات، وعندما تشتد الأخطار تنسحب السياسة ويتقدّم الأمن، وعندما تفشل الحكومة يُضحّى بها لحماية النظام. هنا تكمن عبقرية الهجين الإيراني: الدولة لا تُواجه من نقطة واحدة، ولا تُكسر بضربة واحدة.

 

الدم كاشف العيوب البنيوية

لكن هذا النموذج، مهما بلغ من الصلابة، له حدٌّ حاسم . فعندما يتحول القمع من أداة ردع ظرفية إلى نمط حكم دائم، تبدأ الدولة المزدوجة بفقدان توازنها الداخلي. الدم لا يُسقط النظام فورًا، لكنه يُسقط سرديته الأخلاقية، ويُعطّل قدرته على استخدام المؤسسات كواجهة امتصاص . ما يجري اليوم في إيران ليس احتجاجًا معيشيًا فقط، بل قطيعة نفسية وأخلاقية بين الدولة وشرائح واسعة من المجتمع. ومع كل قتيل، يتراجع الدور الوظيفي للمؤسسات، ويتقدّم الوجه الأمني وحده، حتى تصبح الدولة كلها أمنًا بلا سياسة، وقوة بلا قبول. في هذه اللحظة، تصبح نُذُر الضربة العسكرية الأميركية عامل ضغط إضافي بالغ الخطورة. فالضربة المحتملة لا تُختبر عسكريًا فقط، بل سياسيًا :

- هل تنجح الدولة المزدوجة مرة أخرى في تحويل التهديد الخارجي إلى أداة توحيد داخلي؟ أم أن تراكم الدم والانكشاف الأمني أفقدا هذا النموذج قدرته التقليدية على امتصاص الصدمات؟

 

فكرة خاتمي - من الإصلاح إلى النجاة

في هذا السياق، تعود فكرة محمد خاتمي لا بوصفها مشروع إصلاح ديمقراطي، بل كـ "صيغة نجاة مؤجلة". خاتمي لم يطرح إسقاط ولاية الفقيه، بل إعادة تعريف موقع المرشد من حاكم مباشر إلى مرجعية عليا ضابطة، بما يسمح بعودة المؤسسات إلى لعب دور فعلي في إدارة الدولة. فشل هذا الطرح سابقًا لأن النظام كان قويًا وواثقًا. أما اليوم، ومع تآكل الشرعية، وضغط الشارع، واحتمال الضربة الخارجية، وغياب بديل كاريزمي واضح للمرشد، فإن إعادة تعريف الوظيفة السياسية للولاية لم تعد خيانة للفكرة، بل خيار بقاء محتمل.

 

السؤال لم يعد : هل يقبل النظام بالإصلاح؟

بل: هل يستطيع الاستمرار دون تعديل بنيته الوظيفية؟ السيناريوهات الثلاث للمصير الإيراني

السيناريو الأول : دولة الحصار الوجودي

يختار النظام الحسم الكامل. يتحول القمع إلى عقيدة حكم، وتُستثمر الضربة الخارجية - إن وقعت - لتوحيد الداخل بالقوة.

الدولة تنغلق وتُعسكر، تبقى متماسكة ظاهريًا، لكنها تفقد المجتمع.

هذا المسار لا يسقط سريعًا، لكنه يستهلك الدولة من الداخل.

هو بقاء بالقوة… لا بالحياة.

 

السيناريو الثاني : دولة النجاة الباردة

تُعيد النخبة هندسة النظام من الداخل. تحجيم فعلي لدور المرشد، أو تنحية وظيفية ناعمة بفعل العمر والصحة، مع تمكين حكومة قوية لإدارة الأزمة.هذا السيناريو لا يحقق العدالة، لكنه يحفظ الدولة ويؤجل الانفجار. هو خلاص النظام… لا خلاص الشعب.

 

السيناريو الثالث: دولة التآكل الصامت

لا قمع يحسم، ولا إصلاح يُنجز. يتحول الاحتجاج إلى إنهاك طويل، ينهار الاقتصاد ببطء، تتعب الأجهزة، وتتآكل الشرعية. وفي لحظة غير متوقعة، ينهار التماسك دفعة واحدة.هذا المسار هو الأخطر، لأنه لا يمكن التحكم بنهايته. هو انهيار بلا قائد، وبلا بديل جاهز

 

الخاتمة : لحظة المفاضلة التأريخية

إيران اليوم لا تواجه أزمة سياسية عابرة، بل سؤالًا وجوديًا عن طبيعة الدولة التي يمكن أن تستمر. القمع قد يؤجل السقوط ،  والترتيب الداخلي قد ينقذ الدولة، لكن صيغة ولاية الفقيه كما عُرفت منذ 1979 وصلت إلى حدودها القصوى . نُذُر الضربة العسكرية الأميركية ليست عاملًا خارجيًا منفصلًا، بل اختبارًا نهائيًا لنموذج صُمِّم للبقاء عبر الازدواجية. السؤال لم يعد عن القدرة على الرد، بل عن القدرة على تحمّل ما بعد الرد.

 

لم يعد السؤال:

هل يسقط النظام؟

بل أصبح:

هل تستطيع الدولة أن تنجو دون أن تبتلعها أيديولوجيتها؟

إيران تقف بين خيارين لا ثالث لهما:

دولة أقل عقيدة وأكثر سياسة، أو عقيدة بلا دولة.

وعند هذا الحد…

تنتهي كل الحسابات،

وتبدأ لحظة التأريخ

Share

أخبار موريتانيا

أنباء دولية

ثقافة وفن

منوعات وطراف