
درباس إبراهيم
يعد نوري المالكي من أكثر الشخصيات السياسية العراقية إثارة للجدل. فبالنسبة لشريحة واسعة من العراقيين، يرمز المالكي إلى مرحلة من الانقسام والانهيارات، ما يجعل عودته محفوفة بفقدان الشرعية الشعبية، حتى لو توفر لها غطاء سياسي داخلي وخارجي. ويأتي ترشيحه لرئاسة الوزراء العراقية في ظل صراعات إقليمية حادة، وأزمات اقتصادية وسياسية عميقة في الداخل العراقي. فكيف تنظر إليه المكونات العراقية، والدول الإقليمية، وأمريكا؟
شيعيا:
إن تنصيب الجولاني رئيسا مؤقتا لسوريا سرع وشجع الإطار التنسيقي على إعادة طرح نوري المالكي، الذي يحظى بدعم شريحة واسعة من الشارع الشيعي التقليدي، باستثناء أنصار التيار الصدري بزعامة السيد مقتدى الصدر، حيث لا يقتصر الخلاف بين الطرفين على السياسة، بل يمتد إلى صراع شخصي. إن وجود جماعة سنية راديكالية على الحدود العراقية يثير مخاوف المكون الشيعي، خصوصا مع رفع تلك الجماعة شعارات طائفية تهدد باجتياح مدينة كربلاء. على هذا الأساس تم ترشيح المالكي ليشكل الضد النوعي للجولاني من الناحية الطائفية والأمنية.
كرديا:
يبدو أن هناك تفاهما غير معلن بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والإطار التنسيقي لدعم ترشيح المالكي، مقابل تنصيب الدكتور فؤاد حسين رئيسا للجمهورية. هذه الخطوة، إن تحققت، قد تؤثر في تشكيل حكومة إقليم كردستان، إذ سيشعر الاتحاد الوطني الكردستاني بخسارته منصبا سياديا مهما في بغداد، ما سيدفعه للمطالبة بتطبيق مبدأ 50_50 في تشكيل حكومة الإقليم. ومن أجل ذلك، سيكون على الحزب الديمقراطي تقديم تنازلات لإرضائه وتمرير تشكيل الحكومة. على المستوى الشعبي، يميل الشارع الكردستاني اليوم إلى التقارب مع القوى الشيعية، ولا سيما بعد هجمات جماعة الجولاني على المدن والبلدات الكردية في غرب كردستان، وتعاطف جزء كبير من الإعلام والنخب السنية العراقية مع تلك الهجمات، سواء بشكل مباشر أم غير مباشر. هذا الأمر أثار قلق المجتمع الكردي، الذي يخشى تكرار الأمر ضده في المستقبل. ورغم إدراكهم أن أفضل مراحل العلاقة مع بغداد كانت خلال الولاية الأولى للمالكي، وأسوأها في ولايته الثانية حين هدد باجتياح الإقليم وقطع الرواتب، فإن المزاج العام لا يعارض هذا التقارب في المرحلة الحالية على الأقل.
سنيا:
يثير ترشيح المالكي قلقا واسعا في الوسط السني، إذ ارتبط اسمه بمرحلة قاسية عاشها العرب السنة. ففي عهده تحول قانون أربعة إرهاب عمليا إلى أربعة سنة، وتصاعد الخطاب الطائفي بعد تصريحه الشهير: "إن معركتنا اليوم هي معركة بين الحسين ويزيد"، ثم جاءت كارثة سقوط المدن بيد تنظيم داعش، وما رافقها من دمار وتهجير. ومع ذلك، توجد شخصيات وتيارات تعرف بـسنة المالكي قد ترحب بترشيحه بدافع المصالح السياسية.
أمريكيا:
في ولايته الأولى، كانت علاقة المالكي بالولايات المتحدة قوية، ولا سيما بعد قيادته معركة صولة الفرسان ضد الميليشيات في البصرة. غير أن هذه العلاقة تدهورت في ولايته الثانية مع ميله الواضح نحو إيران. ومع ذلك، ستتعامل واشنطن معه ببراغماتية، ولن تعارض عودته إذا أبدى تعاونا في الملفات الأمنية والسياسية.
إيرانيا:
تواجه إيران ضغوطا أمريكية متزايدة وتحديات إقليمية كبيرة، ما يضيق هامش حركتها. وفي هذا السياق، لن تمانع طهران ترشيح المالكي، بل ستراه خيارا مألوفا وقادرا على الحفاظ على نفوذها في العراق.
تركيا:
أما تركيا، فستراقب موقفه من إقليم كردستان وملف حزب العمال الكردستاني، وقد تتعاون معه إذا ضمنت مصالحها الأمنية والاقتصادية، وقد تساهم في تقريب وجهات النظر بين بغداد ودمشق، فتركيا لديها نفوذ كبير داخل السلطة السورية الجديدة.
خليجيا:
تنظر دول الخليج إلى المالكي بحذر بسبب تاريخه وخطابه السابق، لكنها قد تتعامل معه بواقعية إذا قدم إشارات تهدئة وانفتاحا اقتصاديا وخطابا عقلانيا معتدلا.















