طريق الهلاك بين واشنطن وطهران

أربعاء, 01/28/2026 - 15:56

محمد جواد الميالي
تظل النزعات الانفصالية واحدة من أهم الصواعق التي تفجر كوامن الحروب، حين تتحول الرغبة في "الاستقلال
الهوياتي" إلى وقود للصراعات الوجودية.. في الشرق الأوسط، تقترن هذه النزعات بـ "العصبية" كسيكولوجيا
متجذرة، تجعل من الولاء للمكون الاثني أو القومي متقدمة على الولاء للدولة، مما يمنح القوى العظمى قدرة هائلة،
على إعادة تشكيل هذه النزعات وتوظيفها، كأدوات لإدارة الفوضى المنظمة.
تمثل المسألة الكردية، إحدى أكثر القضايا قابلية للتدويل والاستثمار الجيوسياسي، فالكرد الموزعون على الجهات
الأربع (العراق، سوريا، تركيا وإيران) شكّلوا لعقود طويلة (الخطة باء) الدائمة للولايات المتحدة، في مواجهة أي
تمدد إقليمي، قد يهدد مصالحها، أو يعيد رسم موازين القوة في الشرق الأوسط.. وهذا الدور لم يكن يوماً وعداً
بدولة مستقلة، إنما وظيفة سياسية وأمنية مرنة، تُستدعى عند الحاجة، وتُجمَّد عند تعارضها مع أولويات أعلى.
لكن السؤال المريب، الذي يتجاوز السرديات السطحية، قد يدور عن سبب سماح واشنطن للجولاني، بالضغط على
كرد سوريا، وصولاً إلى القتال والتهجير؟ والظاهر المتداول يُحيل الأمر إلى صفقة لإرضاء تركيا، التي ترى في
أي كيان كردي، تهديداً مباشراً لوحدتها الوطنية، غير أن هذا التفسير على وجاهته الظاهرية، لا يفسر حجم
الصمت الأمريكي ولا توقيت هذا التحول، ولا يجيب عن السؤال الأهم: ما الذي جعل الورقة الكردية قابلة
للتضحية في هذه اللحظة تحديداً؟
الحقيقة لا تكمن عند أنقرة وحدها، بل في أماكن تبدو بعيدة عن خطوط الاشتباك المباشر.. مخيم الهول، وسجون
قادة تنظيم داعش في شمال سوريا، فهناك تُحتجز ورقة شديدة الحساسية، ليس باعتبارهم بقايا لتنظيم مهزوم، بل
بوصفهم مخزوناً بشرياً وأيديولوجياً قابلاً لإعادة التوجيه، وهؤلاء لا يمثلون خطراً آنياً فقط، إنما إمكانية مستقبلية
لإنتاج الفوضى حين تقتضي الحسابات.
بينما تعيش واشنطن مأزقها الاستراتيجي الأكبر، في كيفية التعامل مع إيران، حيث كل مراجعة لخيار المواجهة
العسكرية المباشرة تنتهي إلى النتيجة نفسها، حرب مفتوحة قد تحرق إسرائيل، وتضع الأسطول الخامس، في
مرمى ردود فعل غير محسوبة، وتفتح المنطقة على سيناريوهات خارجة عن السيطرة.. والعقوبات بلغت حدود
تأثيرها، والضربة العسكرية الجوية مغامرة غير مضمونة، ما يدفع صانع القرار الأمريكي إلى البحث عن
"الخاصرة الرخوة" القادرة على إنهاك النظام من الداخل، دون إطلاق رصاصة أمريكية واحدة.
هنا يجد ترامب ضالته عندما تتقاطع المصالح في ما يشبه "زواج مصلحة" تحت الرماد، شريحة من كرد إيران
ترى في النظام الشيعي، العقبة الأهم أمام حلم الدولة الكردية، بينما يرى أبناء الهول وبقايا داعش، أن خصومتهم
الوجودية الأولى مع الشيعة، وبالأخص في العراق وإيران، التناقض العقائدي بين الطرفين لا يلغي إمكانية التقاطع
الوظيفي، لأن ما يجمعهما ليس مشروعاً سياسياً واحداً، بل عدو مشترك، ورغبة متبادلة في كسر المركز.
اذا أن الورقة القادمة قد تكون.. تصدير الفوضى، من سجون الشمال السوري باتجاه الحدود الإيرانية، عبر ممرات
كردية معقدة، لخلق حالة استنزاف داخلي طويل الأمد.. فوضى لا ترقى إلى مستوى الحرب الشاملة، لكنها كافية
لإرباك الداخل الإيراني، واستنزاف موارده، وإشغاله بصراعات أمنية وهوياتية متداخلة، ضمن معادلة تُبقي
الولايات المتحدة في موقع المراقب لا الفاعل المباشر.
بينما تعيد واشنطن رسم طريق الهلاك من البيت الابيض الى طهران، لن يصمت الايرانيون كثيرا، وهم لديهم
تجربة مشتركة مع العراق في مواجهة هذا التنظيم الارهابي، بل سيعملون على اعادة ترتيب الوضع من بوابة
بغداد، وطريقهم يبدأ من دعم تشكيل حكومة، من شأنها جعل العراق ساحة صراع، تزيح بها طهران عن نفسها
خطر الارهاب، دون اطلاق رصاصة واحدة في اراضيها، فهل ستنجح طهران في ذلك؟

كل ذلك يشير إلى أن الشرق الأوسط، لن يتجه نحو سلام قريب، بل نحو إعادة تدوير الصراع بأدوات أكثر دهاء
وأقل ضجيجا، والغد في هذه المنطقة لن يُكتب بلغة الاتفاقات الكبرى، بل بدموع الجغرافيا التي تُمزقها أحلام
الانفصال، وكوابيس الأيديولوجيا.. فيما تظل القوى الكبرى تمسك بالخيوط من بعيد، بانتظار اللحظة التي تقرر
فيها أن الفوضى أدت غرضها، أو أن زمن الانتقال إلى فصل جديد من الصراع قد حان.

Share

أخبار موريتانيا

أنباء دولية

ثقافة وفن

منوعات وطراف