
الدكتور هاني الحديثي
الاسبوع الاول من الحرب الدائرة الان مع ايران والتي شنتها الإدارة الأمريكية بالمشاركة مع الكيان الاسرائيلي خارج نطاق الشرعية الدولية المفقودة كما حصل في حرب احتلال العراق عام 2003 م تثير العديد من التكهنات . أيران الان تحارب امريكا واسرائيل باعتماد وسائل الحرب ضد الدول العربية المجاورة وخاصة بلدان ( الخليج العربي ) ، وتهديد الاقتصاد العالمي وليس فقط استهداف القواعد الأمريكية في عموم المنطقة كما زعمت في اليوم الاول من الحرب ، الأمر الذي يعني مسعى إيراني لتوسيع نطاق الحرب . إيران الان بدأت تخسر ثقة اصدقائها الذين بذلوا جهودهم لأبعادها وإبعاد المنطقة عن الحرب وتداعياتها ، والعراق الان مطالب باغلاق الحدود مع ايران لمنع دخول قوى إيرانية لتستخدم الأراضي العراقية لشن عمليات عسكرية ضد البلدان العربية في مسعى لجر العراق نحو حرب هو ليس طرفا فيها بل انها تضعه امام المجهول لصالح ايران.
إغلاق مضيق هرمز يمكن أن يحقق تحالفا دوليا ضد ايران ضمن ذلك أصدقاءها خاصة بعد تحذيرات الصين لايران من استمرار الغلق كونه يحرمها من 30% من حاجاتها للغاز الذي تستورده من قطر وانتقاد موسكو للتعنت الإيراني ورفضها مقترحها لإيقاف التخصيب عشرة سنوات ، وتحذيرات تركيا لايران من استخدام مجالها الجوي في إطلاق الصواريخ الباليستية معتبرة ذلك اعتداء على السيادة التركية بذات الوقت الذي بدأت فيه التهيؤ لمرحلة مابعد انهيار النظام الإيراني وتداعياته على عموم دول الجوار. الاذرع الإيرانية في الدول العربية (العراق ولبنان واليمن ) وضعت نفسها صراحة ورسميا وخارج نطاق حكومات الدول التي هي في ساحتها في مقدمة المواجهة ، وبذلك فان مصيرها ستحدده نتائج الحرب بعد ان سحبت الحكومات مسؤوليتها القانونية من هذه الفصائل التي تعد وفقا لذلك خارج نطاق القانون . عموما فان الحرب تتحول الى مسارات جديدة يمكن ان تقلب جميع الموازين اقليميا ودوليا في ضل واقع انعدام التوازن في القدرات . تاسيسا على ماتقدم تبرز سيناريوهات عديدة لكن أبرزها الآتي :
اولا : سيناريو ترامب في انهيار النظام الايراني واحتمالات التدخل الأمريكي في مسك الارض في أطراف الأقاليم الايرانية وخاصة في اقليم بلوجستان و الأحواز وكوردستان ايران .
ان هذا السيناريو بدأ يتصاعد سقفه مع طبيعة التصريحات التي يدلي بها ترامب وأركان نظامه واتصالاته مع زعماء وشخصيات اقليمية ذات ثقل ،فضلا عما تعلنه جهات إيرانية في هذه الأقاليم من تنسيق عملها باتجاه هذه الفرصة .
ان هذا السيناريو يحمل مخاطر كبيرة بسبب التعدد القومي للشعوب الإيرانية المتوزعة على خمسة قوميات رئيسية ، وتفاعلها مع شقيقاتها القومية مع بلدان المحيط الاقليمي لايران حيث افغانستان والعراق وأذربيجان وتركيا وباكستان .
لذلك فان احتمال الانهيار في ايران سيترتب عليه فوضى اقليمية تشمل جميع بلدان محيط ايران الاقليمي . لاشك ان الاتصالات التي يجريها ترامب مع شخصيات وزعامات اقليمية وفق ماتم الإعلان عنه انما تمهد لما يمكن ان يحصل إذا انهار النظام الايراني ،لكنها ايضا لاتتصل بالمصداقية بسبب منهج التخلي عن الحلفاءالذي طبع اغلب سياسات وعلاقات الإدارات الأمريكية وهو ماينبغي اخذه بنظر الاعتبار من قبل الزعامات الاقليمية تفاديا لتوريطها في وضع سيكون كارثيا.
ثانيا : انخراط دول اخرى في الحرب إلى جانب الولايات المتحدة منها قوى كبرى مثل فرنسا وبريطانيا ،ومنها قوى تعرضت لعدوان مباشر من ايران وأخص بالذكر المملكة السعودية وبلدان خليجية اخرى . ان هذا الاحتمال يبقى قائما وممكنا مع استمرار ايران بتوسيع ساحة الاستهداف العسكري لها ، بيد انه يحمل مخاطر كبرى على السلم والامن الدوليين ولن يلجمه إلا تراجع ايران عن منهجها العدائي ضد جيرانها ، وهو امر مستبعد حيث تجد ايران فيه دفعا لممارسة الضغوط على الإدارة الأمريكية لوقف الحرب .
السيناريو الثالث : اضطرار الإدارة الإيرانية للقبول بالأمر الواقع ومنح التنازلات في برنامجها النووي والصاروخيّ فضلا عن الانكفاء على الداخل ولو مؤقتا وهذا يعني قطع ارتباطاتها بالأذرع التي زرعتها في بلدان الجوار العربي .
بعبارة اخرى قبول حكام ايران على تجرع السم للمرة الثانية مقابل الحفاظ على النظام السياسي القائم . ان هذا السيناريو يتوقف ليس فقط على قبول ايران بالشروط المفروضة عليها انما احداث تغيير جدي في منهج الحكم داخليا وذلك يتضمن تعديلات دستورية تخص التخلي عن مبدأ تصدير الثورة والتعددية السياسية . في ضوء ماتقدم من احتمالات ، فان الأقرب للواقع من وجهة نظرنا ان التغيير في الخرائط السياسية لاتفاقيات سايكس بيكو قد بدأ فعلا ، وان عموم بلدان الشرق الأوسط مقبلة على تغيرات بنيوية وهيكلية لابد ان تستعد لها ، وان الحرب على ايران ليست نزهة غير محسوبة النتائج بدليل طبيعة التحضيرات العسكرية الضخمة التي سبقت بدء الاطلاقة الاولى على ايران بل ان إعلان الحرب عليها بغض النظر عما سيتحقق من احد السيناريوهات ،هو إعلان عالمي نحو التغيير في عموم الشرق الأوسط وما يتبعه من انعكاسات وتداعيات محلية ودولية.
استنتاجات
1-عصي على الإدارة الأمريكية ان تتوغل بريا داخل ايران لاسباب موضوعية من حيث المساحة والسكان و البعد العقائدي الديني لدى حشد كبير من سكان ايران وخاصة القومية الفارسية التي تشكل أغلبية السكان 50% . ان ذلك لايعني عدم قدرة الولايات المتحدة في الاستيلاء على مناطق حيوية استراتيجيا واقتصاديا مثل جنوب غرب ايران حيث الضفة الشرقية للخليج العربي وتركز الثروات المعدنية فيها ، وجنوب بلوجستان حيث المحيط الهندي، وهو جيوبولتيكيا موقع حيوي للهيمنة على طرق الملاحة يساعد على ذلك الاتفاق الاستراتيجي الهندي -الإسرائيلي لمواجهة طريق الحرير (الطوق)الصيني .
2- في حال قيام الولايات المتحدة وحلفاؤها بذلك فان روسيا سيكون لها موقف مختلف شمال ايران دون ان نتجاوز الدور التركي-الأذربيجاني .
3- ان انهيار النظام الايراني يمكن ان يؤدي إلى فوضى اقليمية تشمل افغانستان وباكستان وأذربيجان فضلا عن تركيا .
ان هذا الامر يذكرنا بتداعيات احتلال العراق سلبا على مجمل الصراع العربي -الإسرائيلي . فيما يتعلق بالعراق فانه سيكون البلد الأكثر تضررا مما ينتج عن الحرب من تداعيات لاعتبارات موضوعية اقتصادية و جيوبولتيكية و مجتمعية ، الأمر الذي يجب حتما اخذه بنظر الاعتبار من قبل القابضين على السلطة الرسمية وبقرارات حاسمة وتقليص الضرر من خلال وضع حد لتدخل الفصائل المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة والتي قد تلجأ الى انقلاب سياسي على غرار الحوثيين في مسعى لدفع البلاد نحو الحرب وتخفيف الضغط على ايران بحكم العلاقات العقائدية التي تربطهم بولاية الفقيه. وفي ضوئه فان موافقة القيادات الجديدة لايران على حل شامل لاسباب الحرب هو المخرج الوحيد الذي يقي عموم الشرق الأوسط مما ينتظره .
وفوق كل ذي علم عليم














