العراق بين فكّي المؤامرة .. تعطيل الداخل ووصاية من الخارج

أربعاء, 01/28/2026 - 15:58

حسين نعمة الكرعاوي  

في خضم التعقيدات السياسية المتراكمة، يبدو أن العراق يقف اليوم أمام واحدة من أخطر المراحل التي تهدد قراره السيادي ومستقبل توازناته الداخلية، وسط ما يمكن توصيفه بوضوح على أنه مؤامرة سياسية–أمنية متعددة الأطراف تُدار بعناية من خارج الحدود، وتُستخدم فيها أدوات داخلية بوعي أو من دونه، فالتدخل العلني للرئيس الأميركي دونالد ترمب في مسار تشكيل الحكومة العراقية، وتهديده الصريح بقطع المساعدات عن بغداد في حال انتخاب نوري المالكي، لا يمكن قراءته إلا كرسالة ابتزاز سياسي تهدف إلى فرض إرادة واشنطن على القرار الوطني، وربط “الاستقرار والازدهار” العراقيين برضا الإدارة الأميركية.

 

اللافت أن هذا الموقف جاء في توقيت بالغ الحساسية، متزامناً مع تعطيل جلسة انتخاب رئيس الجمهورية بذريعة الخلاف الكردي–الكردي، ومع إعلان حزب “تقدم” بزعامة محمد الحلبوسي انسحابه المسبق من أي حكومة محتملة يرأسها المالكي. هذا التزامن الزمني لا يبدو صدفة، بل يشير إلى تنسيق واضح في مسارات التعطيل والضغط، بما يخدم إعادة إنتاج مشهد سياسي يتلاءم مع المصالح الأميركية والإقليمية.

 

وفي ظل تصاعد التوترات الإقليمية وسيناريوهات الحرب الشاملة، تبرز فرضية أن واشنطن تسعى إلى فرض رئيس وزراء “مضمون الولاء”، يسهّل استخدام الأجواء العراقية ويوظف الجغرافيا العراقية ضمن أي مواجهة محتملة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية ودول محور المقاومة. هنا، يتحول العراق من دولة ذات سيادة إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، وهو جوهر المؤامرة الجارية.

 

الأخطر من ذلك هو انخراط قوى كردية وسنية في محاولة فرض شروطها على اختيار رئيس الوزراء، في تجاوز غير مسبوق للأعراف السياسية، مقابل صمت أو تريث مريب، رغم أن قوى الإطار التنسيقي لم تتدخل سابقاً في اختيار رئاستي البرلمان والجمهورية. ويتكامل هذا المشهد مع ملفات ضغط أخرى، أبرزها ملف معتقلي “داعش” في شمال شرقي سورية، والتمدد التركي المتواصل في شمال العراق، بذريعة محاربة الإرهاب.
 

إن ما يجري في العراق اليوم ليس أزمة سياسية عابرة، بل حلقة ضمن مؤامرة إقليمية–دولية أوسع، تهدف إلى تطويع القرار العراقي وإعادة توجيه دور البلاد بما يخدم واشنطن وحلفاءها، على حساب السيادة والاستقرار الوطني، واللحظة الراهنة تفرض على القوى السياسية، ولا سيما الإطار التنسيقي، موقفاً تاريخياً إما بكسر هذه المعادلة، أو السماح بترسيخها كأمر واقع.

 

Share

أخبار موريتانيا

أنباء دولية

ثقافة وفن

منوعات وطراف