
درباس إبراهيم
يعيش إقليم كردستان اليوم فوضى سياسية عارمة، ابتداء من الحرب الإعلامية بين الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني، اللذين نقلا خلافاتهما الحزبية إلى المستوى الدولي، ولا سيما فيما يتعلق بقضية نقل الأسلحة إلى المعارضة الإيرانية من عدمه، إلى درجة أن حتى ترامب تفطن إلى هذه النقطة، فأطلق تصريحا مثيرا، راحت محطات الحزبين الإعلامية تتداوله وتوظفه يمينا ويسارا. وهذا بحد ذاته ينقل صورة سوداوية عن الإقليم إلى الغرب.
ويأتي هذا التراشق في ظل الجمود السياسي، وعدم تشكيل الحكومة وتفعيل البرلمان الكردستانيين، رغم مرور أكثر من سنة ونصف على الانتخابات النيابية، فضلا عن الأوضاع الاقتصادية المتردية التي تثقل كاهل المواطنين.
وعلى الطرف الآخر، هناك الأحزاب التي تصنف نفسها على أنها أحزاب كردية معارضة، لكنها ــ من وجهة نظري المتواضعة ــ أقرب إلى أحزاب تبحث عن المناصب منها إلى قوى تمتلك مشاريع وطنية بديلة. وخير مثال على ذلك ما حدث مع حزب التغيير (كوران)، الذي انتقل من المعارضة إلى السلطة، فأصبح مع مرور الوقت نسيا منسيا. هذه الأحزاب أيضا أضاعت البوصلة، وباتت اليوم تبحث عن موطئ قدم في السلطة، سواء في أربيل أم بغداد. وقد سأل أحد مقدمي البرامج برلمانيا ينتمي إلى إحدى هذه الأحزاب: لماذا تقاتلون من أجل تشكيل الحكومة العراقية، بينما لا تفعلون الأمر نفسه فيما يتعلق بتشكيل حكومة إقليم كردستان؟ فأجاب البرلماني: إن لدينا في بغداد فرصة للمشاركة في صياغة القرارات، ولسنا مجرد ديكورات كما هو الحال في كردستان. بلا ريب، فإن هذا الجواب ليس سوى محاولة لتضليل الرأي العام؛ لأنه ببساطة جميع الأحزاب الكردية والسنية، من دون استثناء، لا تملك أي تأثير حقيقي في صياغة القرار السيادي العراقي، بل هي مجرد واجهات شكلية، في حين يبقى القرار محصورا بيد أحزاب الإطار التنسيقي الشيعي. والحقيقة المرة هي أن بعض أحزاب الإطار تستخدم هذه الأحزاب الكردية الصغيرة كحصان طروادة للدخول إلى الإقليم وإحداث القلاقل فيه، سواء كانت تلك الأحزاب تدرك ذلك أم لا.
وفي خضم هذه الصراعات الحزبية الضيقة، لا يبدو أن استمرار سياسة التصعيد الإعلامي وتبادل الاتهامات سيقود الإقليم إلى أي مخرج حقيقي، بل سيؤدي إلى تعميق الانقسام الداخلي وتقويض ما تبقى من ثقة المواطنين بالمؤسسات السياسية. والأخطر أن حالة التشظي هذه تمنح القوى الإقليمية والدولية فرصة أكبر للتدخل في شؤون الإقليم واستثمار خلافاته بما يخدم مصالحها، خصوصا في منطقة تعيش أصلا صراعات نفوذ مفتوحة وتحولات سياسية وأمنية متسارعة. فالتاريخ أثبت مرارا أن الانقسامات الداخلية كانت دائما البوابة التي تنفذ منها المشاريع الخارجية.
بناء على ما سبق، فإن المسؤولية الوطنية والتاريخية والأخلاقية تفرض على جميع القوى الكردستانية، سواء كانت في السلطة أم في المعارضة، أن تدرك أن مستقبل الإقليم لا يمكن أن يبنى بمنطق المغالبة الحزبية أو الحسابات الضيقة، وإنما عبر الجلوس إلى طاولة حوار واحدة، والتوافق على رؤية مشتركة تعيد تفعيل المؤسسات، وتشكيل حكومة قادرة على مواجهة الأزمات الاقتصادية والسياسية، وتحصين البيت الداخلي من أي محاولات لزج الإقليم في صراعات قد تهدد استقراره ومكتسباته السياسية. وما عدا ذلك، سيبقى الإقليم يدور في حلقة مفرغة من الأزمات، وسيظل فريسة سهلة للمتربصين.













