
عادل الجبوري
احداث ووقائع قد تبدو عابرة وغير حاسمة بالنسبة للكثيرين في خضم الحروب والمعارك التي باتت تدار وتوجه بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، وبواسطة أعداد نوعية محدودة من الكوادر البشرية، لاتقارن بأي حال من الأحوال، بالجيوش الجرارة من صنوف المشاة والمدفعية والدروع في كل الحروب والمعارك الحديثة التي شهدها القرن الماضي، والقرون السابقة له.
ومن بين تلك الاحداث والوقائع العابرة بنظر الكثيرين، سيطرة ايران خلال حربها الأخيرة مع الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، على اهم منفذ بحري على الصعيد العالمي، الا وهو مضيق هرمز، الذي تمر عبره خمس امدادات الطاقة العالمية، حتى بات الحرس الثوري الإيراني، المتحكم الأول والاساس بالمضيق، وهو الذي يقرر أي السفن والبواخر تمرّ، وايها التي تمنع من ذلك، وهو القادر على احتجاز أي سفينة تخالف ما يقرره. كل ذلك والولايات المتحدة، بقدراتها وامكانياتها الضخمة، بإعتبارها القوة العالمية الأكبر، تقف عاجزة عن فعل شيء، وحينما قررت محاصرة ايران بحريا، وعدم السماح بالسفن والبواخر المتوجه اليها والخارجة منها بالمرور، سارعت ايران للردّ، من خلال احتجاز السفن والبواخر العائدة بشكل او باخر للولايات المتحدة وإسرائيل، لتعمق مأزق واشنطن، وتضعها في زاوية حرجة للغاية. والمثال الأقرب والاوضح على ذلك، هو اعلان الحرس الثوري قبل بضعة أيام، احتجازه سفينتين عملاقتين متخصصتان بنقل الحاويات، وهما EPAMINONDAS وFRANCESCA، ردّا على ما وصفه بالقرصنة البحرية التي قامت بها القوات الأميركية للسفن الايرانية".
وطيلة أيام الحرب الأربعين، وفي الوقت الذي كان العالم بأجمعه يعاني من التداعيات الاقتصادية المتسارعة للحرب الأميركية الإسرائيلية على ايران، كان يعيش هاجس اغلاق مضيق باب المندب من قبل حركة انصار الله اليمنية(الحوثيين)، وهذا في حال حصل بأي وقت، فإنه سوف يعني بكل وضوح شللا شبه تاما للاقتصاد العالمي، لاسيما الولايات المتحدة الأميركية واوربا. وحينذاك لن تنفع الطائرات والصواريخ في حسم الأمور، حتى لو دمرت كل شيء في ايران لاسمح الله.
فصحيفة "ذي تلغراف" البريطانية الواسعة الانتشار، كتبت في احد اعدادها الصادرة مؤخرا، "ان كل ما يتعين على طهران فعله هو الصمود لبضعة اشهر إضافية، وانتظار ان يظهر تأثير نقص النفط بشكل فعلي.. فمع كل يوم تستمر فيه المواجهة في الخليج، يحرم العالم من نحو ثمن امدادات النفط، ويغوص اكثر في استنزاف احتياطياته. وفي حال صمود ايران، فإن وصول سعر البنزين الى ثمانية دولارات، وفرض تقنين عليه حتى موعد انتخابات الكونجرس الأميركي، ليس امرا مستبعدا".
ليس هذا فحسب، بل ان وكالة "بلومبيرغ" الأميركية المتخصصة بالشؤون الاقتصادية والمالية، تقول في تقرير لها "ان الأسواق العالمية خسرت ستة ترليونات دولار من قيمتها خلال العشرة أيام الاولى من الحرب، وان الأسهم الأميركية تكبدت يوميا تريليون دولار جراء الحرب"!.
وبخصوص مضيق باب المندب، الخاضع لسيطرة ونفوذ حركة انصار الله اليمنية المتحالفة مع ايران، التي تعتبر احد ابرز اطراف محور المقاومة، ترى العديد من الأوساط والمحافل السياسية، ومراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية الغربية، "ان مجرد الإعلان عن إمكانية إغلاق المضيق من قبل انصار الله الحوثيين، يكفي لإثارة الذعر في الأسواق العالمية".
ولعل الحوثيين الذين لم يتدخلوا بشكل مباشر وبقوة لدعم واسناد ايران، يحتفظون بالتنسيق مع طهران، بخيار اغلاق مضيق باب المندب في التوقيت الذي يرونه مناسبا وضروريا، وهذا ما يدركه ويخشاه صناع القرار في واشنطن وتل ابيب وعواصم غربية وإقليمية مختلفة.
واذا كانت ايران، تمثل قوة إقليمية لها ثقلها، واوراقها السياسية والعسكرية والاقتصادية في أي مواجهة مع خصومها واعدائها التقليديين، وبالتالي، قدرتها على التحكم بمضيق هرمز، فكيف يمكن فهم حقيقة قدرة حركة انصار الله المحاصرة من كل الجهات، والمنخرطة في حرب عسكرية طاحنة منذ اكثر من عشرة أعوام، بالتحكم في مفصل حيوي من مفاصل الاقتصاد العالمي، وعجز الولايات المتحدة وغيرها من القوى الدولية والإقليمية عن فعل أي شيء يفضي الى كسر ذلك التحكم.
ليس هذا فحسب، بل ان الصومال، الدولة الغارقة في الفوضى السياسية والأمنية، والفقر والاضطراب المجتمعي، قادرة على تهديد الاقتصاد العالمي بدرجة مقلقة، سواء كحكومة، او كجماعات مسلحة تعمل وفق اجندات ومصالح وحسابات خاصة، ربما تكون داخلية وربما تكون خارجية، وهذا ما حصل مرات عديدة خلال العقود الثلاثة او الأربعة الماضية. حتى ان مجلس الامن الدولي، اصدر خلال الفترة بين عامي 2008 و2021، خمسة قرارات، اجازت بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، "دخول المياه الإقليمية الصومالية لمكافحة القرصنة، وتمديد التدابير الدولية لحماية الملاحة، وملاحقة القراصنة قضائياً، وتعزيز التعاون الدولي، وتجريم القرصنة".
وقريبا جدا من المشهد الراهن، أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (U.K.M.T.O)، في الخامس والعشرين من نيسان-ابريل المماضي، عن تعرض ناقلة نفط للاختطاف قبالة السواحل الصومالية.
ومثل هذا الحادث، لم يكن الأول من نوعه خلال الشهور العشرة الماضية، وهو ما يؤشر الى ان هذه المنطقة مهيئة للمزيد من عمليات القرصنة والاستهداف للسفن التجارية، وقد تأخذ تلك العمليات طابعا سياسيا، يتجاوز الأهداف والدوافع المالية، فيما لو اتسعت مستقبلا رقعة الصراع العسكري في منطقة الشرق الأوسط.
ولاشك ان توسع الصراع العسكري، والفشل في ضبط مدياته وايقاعه وحدوده، يمكن ان يدفع ويشجع اطرفا أخرى على اللعب بورقة المنافذ والممرات البحرية الاستراتيجية، ومثل هذا الاتجاه، يعني فيما يعنيه بروز وتنامي قوى قد تبدو صغيرة وهامشية وغير مؤثرة، ويعني فيما يعنيه، ترسيخ وتأكيد لحقيقة عجز وفشل مريع للولايات المتحدة بأساطيلها الضخمة وقواعدها العسكرية المنتشرة في مختلف بقاع الأرض، امام من هم اقل منها قدرات وامكانيات ونفوذ، ويعني فيما يعنيه، كوارث اقتصادية غير مسبوقة، من الصعب بمكان التنبوء بتداعياتها ونتائجها الكارثية، ويعني فيما يعنيه أيضا، ان البحار سوف تكون هي الميادين الحقيقية لحروب الغد.















