زلزال التشييع وفلسفة الهوية.. عندما تُحطّم كربلاء والنجف أصنام "سايكس بيكو"

ثلاثاء, 07/07/2026 - 07:25

 

حيدر حسين سويري

تَمرّ الأمة الإسلامية اليوم بمنعطفٍ تاريخي واستثنائي، يحمل في طيّاته غصّة الفقد وعنفوان الموقف؛ إذ يمثّل استشهاد سماحة السيد القائد علي الخامنئي حدثاً يتجاوز جغرافيا المصاب ليتحول إلى محطة فكرية تُعيد صياغة الوعي الجمعي الإسلامي. إن التشييع المرتقب لجثمانه الطاهر في النجف الأشرف وكربلاء المقدسة يوم الأربعاء الموافق 8/7/2026، ليس مجرد مراسم عزاء عابرة، بل هو تظاهرة عقائدية كبرى تُسقط الأقنعة، وتُمايز بين المخلصين والأعداء والمنافقين، وتُعلن بصوتٍ هادر أن الانتماء للإسلام يعلو فوق المناطقية والحدود المصطنعة.

 

وحدة الحوزة والبيت الشيعي: رسالة اللُّحمة الكبرى

   إن القراءة الأولية للمشهد السياسي والعقائدي الماثل أمامنا تُظهر تلاحماً غير مسبوق؛ فحتى الآن فإن الأخبار تُشير إلى أن كل مراجع النجف اتفقوا على واجب التعزية، والخروج بمظاهرات حاشدة بما فيهم الأخوة في التيار الصدري. هذا الإجماع يعكس عمق الرابطة العقائدية وجوهر التلاحم، الذي يتجاوز أي خلافات سياسية عابرة أمام استحقاق نصرة رموز الإسلام ومقارعِي الاستكبار.

   في ذات السياق، تنقل المصادر أبعاداً روحية وفقهية بالغة الأهمية؛ حيث أن بعض الأخبار تقول إن حالة السيد السيستاني الصحية منهكة وتَعذر عنه ولده السيد محمد رضا، وقال إن سيد محمد تقي الحكيم سيصلي على جثمان السيد المستطاب كما لقبهُ السيد علي السيستاني. هذا الوصف العظيم "السيد المستطاب" من مرجع الطائفة الأعلى في النجف يمثّل شهادة حية على عمق التقدير والترابط بين الحوزتين المباركتين. كما أن ثمة أخبار أخرى تقول أن الشيخ عبد المهدي الكربلائي سيصلي على الجثمان الطاهر في كربلاء المقدسة، ليمتزج في هذا المشهد طهر الدم الحسيني ببركة الأرض وعمق الولاء.

 

مواجهة مع الذات: سؤال للمغرر بهم

   أمام هذا المشهد الملحمي والوحدة الاندماجية بين النجف وقم، يبرز السؤال الوجداني والفكري الأهم: هل سيبقى المغرر به جليس داره في مثل هكذا يوم؟

   أنا أُحسن الظن؛ فأقول: أما آن الأوان أن يُقر المغرر به ويعترف أن حدود سايكس بيكو قد حطمها تلاحم حوزة النجف الأشرف وقم المقدسة، وفقط الهوية الإسلامية هي الحاكم الذي يتكلم بقوة؟

   لقد كشفت هذه اللحظة التاريخية زيف العناوين الضيقة، وأثبتت أن كذبة الترويج لحدود الوطن هي سحر وشعوذة قد انطلى على الكثيرين. إن الجغرافيا السياسية المقيتة التي خطّتها أصابع الاستعمار الغربي لم تكن يوماً معياراً لكرامة الإنسان أو مقياساً لإيمانه، بل كانت أداة لتمزيق الجسد الواحد وتشتيت قوى الأمة لكي يستفرد بها الأعداء والمنافقون.

 

حقيقة الوجود والامتحان الإلهي

   على المغرر بهم، والذين ما زالوا يتقوقعون خلف هوياتهم القومية أو المناطقية الضيقة، أن يدركوا فلسفة العبودية لله. لأن يوم القيامة لن يُناديك الله في أي مكان كنت تسكن ولن يسألك عن بطاقة السكن، ولن يقول لك أنت برازيلي أو صيني أو اسباني أو إيراني أو عراقي، بل يقول لك: ماذا فعلت؟

   إن الميزان الإلهي لا يعترف بالحدود والوثائق الرسمية التي أوجدتها الأنظمة الوضعية؛ فتلك المناطقية ستودعك على حافة قبرك إلى غير رجعة ويبقى عملك هو الذي يُنجيك.

بقي شيء...

   إن تشييع السيد الشهيد علي الخامنئي في أرض العراق الطاهرة، وبمباركة ومشاركة مراجع النجف الكرام وأطياف الأمة المختلفة، هو إعلان صريح عن ولادة عهد جديد من الوعي. عهدٌ تُعرف فيه جبهة الحق من جبهة النفاق، وتذوب فيه الحدود الوهمية تحت أقدام الملايين السائرة نحو الخلود، ليبقى الإسلام العظيم وحده هو الهوية الحاكمة، والمظلة التي تجمع القلوب، والراية التي لا تنكسر.

Share

أخبار موريتانيا

أنباء دولية

ثقافة وفن

منوعات وطراف