ما لا يقوله الرحيل

خميس, 05/21/2026 - 20:12

 

محمود الجاف

الرحيلُ ليس حادثةً تقع، بل قانونا خفيا يسير بمحاذاة أعمارنا. نولد ومعنا قائمةٌ طويلةٌ من الأشياء التي ستغادرنا تباعًا؛ الوجوه، الأمكنة، الأصوات، وحتى النسخ القديمة من أرواحنا. 

 

لا شيء يبقى كاملًا إلى النهاية، وكلُّ ما نظنه ثابتًا إنما يؤجل لحظة اختفائه فقط. لهذا، كن مستعدًّا دائمًا. ليس للموت وحده، بل لذلك الفراغ الدقيق الذي يتركه شيءٌ كان يملأ العالم دون أن تنتبه. 

 

كن على معرفةٍ مسبقة بطعم النقص، بذلك الصمت الذي ياتي بعد الضجيج مباشرة، كأن الحياة تُطفئ فجأة مصباحا في غرفةٍ اعتدتَ وجوده فيها حتى صرتَ لا تراه. وبعض الخسارات لا تأتي على هيئة كارثة، بل على هيئة اعتياد. تستيقظ يومًا فتكتشف أن شيئًا ما لم يعد هنا، وأنك منذ مدةٍ طويلة كنت تودّعه ببطء دون أن تشعر. الأشياء الثمينة لا ترحل دفعةً واحدة؛ إنها تتآكل داخلنا أولًا، ثم تغادر بهدوءٍ لا يليق بحجمها. والمؤلم حقًا أن العالم لا يتوقف احترامًا لما ينكسر فيك.

 

الناس يعبرون، الساعات تتحرك، والسماء تبقى على لونها المعتاد، بينما أنت تحاول أن تفهم كيف يمكن لغياب واحد أن يجعل الكون أقلَّ اتساعًا. وفي هذه اللحظة التي تقرأ فيها كلماتي، هناك شيءٌ ما ينفلت منك. ربما وقت، ربما يقين، ربما جزءٌ صغير من قلبك لن يعود كما كان. لاننا لا نخسر الأشياء حين تختفي، بل حين ندرك متأخرين أنها كانت تمنح حياتنا معناها الكامل. لهذا لا تتعلّق كثيرًا بما يمنحك الطمأنينة. فالحياة بارعةٌ في أخذ أكثر الأشياء دفئًا، ثم تركنا نعيش طويلًا بما يكفي كي نفتقدها كل يوم. لأن البقاء على قيد الحياة يحمل قسوةً وجوديةً أكثر عمقًا وهدوءًا.

Share

أخبار موريتانيا

أنباء دولية

ثقافة وفن

منوعات وطراف