مقدمة كتاب جزيرة الأحلام

أربعاء, 07/15/2026 - 16:05

 

نازنين الجاف

 

ليست كل الجزر تحيط بها المياه، فبعضها يولد في أعماق الإنسان حين تضيق به الدنيا، وتتكاثر عليه العواصف، فلا يجد ملاذًا إلا في قلبه. هناك، في ذلك المكان الخفي الذي لا تراه العيون، تبدأ الرحلات الحقيقية؛ الرحلات التي لا تقود إلى المدن، بل إلى الذات. في حياة كل إنسان لحظة فاصلة . لحظة ينكسر فيها كل ما كان يظنه ثابتًا، وتسقط فيها الأحلام التي شيّدها بسنوات عمره. عندها لا يبقى أمامه سوى خيارين : 

 

 أن يترك الهزيمة تبتلعه، 

أو أن يجمع شتات روحه، 

 

ويولد من جديد. هذا الكتاب ليس رواية نسجها الخيال، ولا محاولة لتبرئة أحد أو إدانته، بل هو صفحات من عمرٍ كُتب بالأمل، ومُزِّق بالألم، ثم أعيد ترميمه بالإيمان. إنها شهادة امرأة عبرت محطات لم تخترها، وخاضت معارك لم تستعد لها، ودفعت أثمانًا لم تكن تتخيل أنها ستدفعها يومًا. عرفت الحب بكل ما فيه من دفء وبراءة، ثم عرفت كيف يمكن للقلب ذاته أن يصبح موطنًا للخذلان. ذقت مرارة الغربة حتى شعرت أن الوطن لم يعد مكانًا أعود إليه، بل ذكرى أحملها أينما ذهبت. سقطت مرات كثيرة، حتى ظننت أن الأرض لن تسمح لي بالوقوف من جديد، لكن رحمة الله كانت دائمًا تمتد إليّ في اللحظة التي كنت أعتقد فيها أن كل الأبواب قد أُغلقت. علمتني الحياة أن الألم لا يأتي دائمًا ليهزمنا، بل ليعيد تشكيلنا. وأن أكثر الأرواح التي أرهقها الانكسار قد تصبح الأقوى، إذا تمسكت بالله، وآمنت أن لكل ليل فجرًا، ولكل عاصفة شاطئًا، ولكل جرح يومًا يلتئم فيه. 

 

كتبت هذه الصفحات لأن بعض الذكريات أثقل من أن يحملها القلب وحده، ولأن الصمت لا يطفئ الوجع، بل يجعله أكثر عمقًا. كتبتها كما عشتها؛ بلا أقنعة، ولا ادعاء للكمال، ولا رغبة في تصفية الحساب مع الماضي. فما مضى لن يعود، لكنه ترك في روحي دروسًا لا تُقدَّر بثمن، وصنع الإنسانة التي أصبحتها اليوم. جزيرة الأحلام ليست بقعة على خريطة، بل وطنٌ داخلي يصل إليه الإنسان بعد رحلة طويلة مع الألم، حين يتصالح مع نفسه، ويغفر، ويتحرر من أثقال الأمس، ويكتشف أن النجاة لا تبدأ من تغيير الأماكن، بل من شفاء الروح. هناك فقط، يدرك أن السعادة ليست هدية يمنحها الآخرون، بل نور يولد في القلب عندما يستعيد الإنسان نفسه. إن وجدت بين هذه الصفحات شيئًا يشبه قصتك، فتذكر أننا، مهما اختلفت أقدارنا، نتشابه في البحث عن الطمأنينة، ونلتقي عند الحاجة إلى من يربت على أرواحنا. وإن لم تجد نفسك فيها، فاقرأها بقلب يؤمن أن خلف كل ابتسامة حكاية لم تُروَ، وخلف كل صمت وجعًا لم يسمعه أحد. 

 

من أنا؟

أنا نازه نين أسعد شفيع الجاف. وُلدت في قضاء رانية بمحافظة السليمانية، في إقليم كردستان العراق، حيث كانت الجبال أول معلمٍ للصبر، وكانت الطبيعة أول من علّمني أن الحياة، مهما اشتدت قسوتها، لا تكف عن إنبات الأمل.... هناك عشت طفولتي، وتشكلت ملامح شخصيتي الأولى، وأنهيت دراستي في إعدادية التجارة للعام الدراسي 1988–1989. تزوجت بعد قصة حب آمنت أنها ستمنحني العمر الذي حلمت به، ورزقني الله بثلاثة من أعظم نعمه: هيشو، ومتين، ومير. كانوا، وما زالوا، النور الذي يبدد عتمة أيامي، والقوة التي كانت تنتشلني كلما أوشكت على الانهيار . لكن الحياة لا تفي دائمًا بالوعود التي نرسمها في خيالنا. جاءت سنوات الحصار بما حملته من ضيق وقهر، حتى أصبح الرحيل عن الوطن ضرورة لا خيارًا. غادرت أرضي وأنا أحمل حقيبة صغيرة، وداخلها وطن كامل من الذكريات والأحلام، متجهة إلى أوروبا، وأنا أظن أن الغربة ستكون بابًا للأمان. لكنني اكتشفت أن أقسى أنواع الغربة ليست غربة الأرض، بل غربة الروح. ومن هناك بدأت الرحلة الحقيقية . رحلة بين الرجاء والانكسار، وبين النجاح والسقوط، وبين فقدان كل شيء، ثم اكتشاف أن الإنسان، ما دام لم يفقد نفسه وإيمانه، يستطيع أن يبدأ من جديد، ولو من بين الرماد. هذه ليست حكاية انتصارٍ بلا هزائم، ولا قصة امرأة كانت أقوى من الحياة، بل حكاية إنسانة بكت، وتعثرت، وخافت، وأخطأت، وانكسرت، ثم نهضت في كل مرة لأن الله لم يترك يدها، ولأن الأمل كان، رغم كل شيء، يرفض أن يموت. وهنا . تبدأ حكايتي. مرحبًا بكم في بعض صفحات حياتي حيث تبدأ الرحلة من القلب . وتنتهي إليه.

Share

أخبار موريتانيا

أنباء دولية

ثقافة وفن

منوعات وطراف