
قصة قصيرة:
في حجرةٍ مُظلمة، لا يُنيرها إلا مصباحٌ باهتٌ يتأرجحُ بين الخوف والحقيقة، جلسَ المحققُ خلفَ طاولته الخشبية الثقيلة، ينظرُ إلى أصفادٍ تحيطُ بمعصمي رجلٍ ستينيّ، غارتْ عيناه واستقرتْ في قاعيهما ظلمةٌ كأنها بقايا رماد.
ألقى المحققُ ملف القضية جانباً، وتنفسَ بحسرةٍ تعكسُ ضيقَ الصدر، ثم قال بنبرةٍ هادئة تتسربُ منها الحرقة:
— المحقق: "تجلسُ أمامي اليوم ويدَاكُ مكبلتانِ بالحديد، لكنك كبلتَ أرواحاً لا حصر لها بالسلاسل الخفية. أخبرني... كيف يُصبحُ الإنسانُ سكيناً يُذبحُ بها الأبرياء؟"
رفعَ الساحرُ رأسهُ ببطء، وابتسامةٌ باهتة تُشبهُ نعيقَ البوم تطفو على شفتيه، وقال بصوتٍ خشنٍ يُشبهُ احتكاك الحصى:
— الساحر: "لم أكن سكيناً يا سيدي... كنتُ فقط مرآةً أريتهم فيها بشاعةَ نفوسهم. أتعجبُ منّي؟ بل عجبي كلّهُ من أبناء جلدتك! أنا لم أطرق بابَ أحد، هم من زحفوا إلى جحري. يأتونني يحملون الحقد في أكمامهم كما يحملُ الحطابُ فأسه لقطعِ الشجر الأخضر."
سكتَ المحقق لحظة، ثم أشار إلى ورقةٍ بين يديه وسأل:
— المحقق: "تقولُ الحساباتُ إنك تقاضيتَ الملايين، عشرات الملايين لتدميرِ حيواتٍ لا ذنب لها... ألهذا الحدّ أصبحت الأرواحُ رخيصةً في سوقِ تجارتك؟"
تنهد الساحرُ وسندَ ظهرهُ إلى الكرسي، متلألئةً في عينيه نظرةُ الذهول:
— الساحر: "الثمنُ لم يكن لي وحدَه، فالظلمةُ لها طقوسُها وثمنُها الغالي. لكن ما كان يذهلني حقاً ليس المال... بل السقوط! كنتُ أطلبُ من بعض النساء أفعالاً يأنفُ منها الشرف، وأطلبُ من بعض الرجال ما يستحي منهُ قومُ لوط، أختبرُ به حدودَ خستهم... فما وجدثُ حدوداً! كانوا يُضحّون بأعراضهم وأخلاقهم نكايةً بأخٍ، أو حسداً لجار، أو شفاءً لغلٍّ يأكلُ صدورهم."
اقترب المحققُ بجسدهِ نحو الطاولة، وسألهُ بنبرةٍ حادة:
— المحقق: "وتلك العائلة؟ أطفالهم، ونساؤهم؟ ذلك الفتى الذي قضى في الحادث... وتلك الشابة التي أكلَ المرضُ جسدَها الغضّ ولم تُجدِ معها الملايينُ نفعاً؟ كيف نمتَ وتلك الدماء في رقبتك؟"
أطرق الساحرُ رأسه إلى الأرض، وصمت كأنما يستحضر أرواحاً صنعتها يداه، ثم زمّ شفتيه وقال:
— الساحر: "جاءتني الأقربُ فالأقرب... أتعلم يا سيدي أن أشدّ السهام سمّاً هي التي تُرمى من داخل الدار؟ أتتني امرأةٌ تحملُ غيرةً سوداء من ابنةِ عمها، طلبت أن أرسل لجسدها ذبولاً لا يُشفى، فصار الكيماويُ يأكل شبابها وما ينفع. وجاءني آخر يُبغضُ نِعمةً في بيتِ أقربائه، فما هدأ حتى رأى ابنهم تحت التراب في حادثٍ مروع... أنا غيمَةٌ مسمومةٌ نعم، لكنهم هم من استسقوا المطر!"
صدم المحقق الكلمات، وضغط على قبضة يده حتى أبيضّت مفاعلها، وقال بأسى:
— المحقق: "أيُ زمانٍ هذا الذي نعيشه؟ يأكلُ الناسُ بعضهم بعضاً باسم القربى، وينسجون خيوطَ الموتِ لمن يشاركونهم الدم والمأكل! هل تحولتم جميعاً إلى وحوشٍ أشدّ ضراوةً من أبالسة الجحيم؟ إن عقابك عند الله وعند القانون كبير، ولكن عقاب من جاءوك وسعَوا في خرائب الديار أكبر وأعظم... إنكم جميعاً قاتلون، قتلتُم الإنسانية قبل أن تقتلوا الأجساد."
نظر الساحرُ إلى الأصفادِ في يديه، ولأول مرةٍ بدت نبرته خاليةً من التحدي، مملوءةً بذهولٍ غريب:
— الساحر: "كنتُ أظنُ أنني أستدرجهم إلى الهلاك... فاكتشفتُ أنهم كانوا ينتظرون فقط من يدلّهم على الطريق. جنّ جنونُ البشر يا سيدي... والغيرةُ إذا سكنت نفساً خاوية، صنعت ساحراً في كلّ بيت."
سادَ الصمتُ الحجرة، ولم يُسمع إلا صوتُ سحبِ الساحرِ إلى محبسه، بينما جلس المحققُ وحيداً، يتأملُ الملفات المفتوحة أمامه، متسائلاً في سرّه: "أيُّ سحرٍ هذا الذي يمتلكه الحسدُ ليحيلَ ذوي القربى إلى أعداء، والقلوبَ إلى مقابر؟"
.........................................................................................
حيدر حسين سويري
كاتب وأديب وإعلامي














