
محمود الجاف
في أعماق وعينا، يُبنى الواقع قبل أن نراه، وتتقاطع الأفكار والخيالات لتشكل ما نشعر به ونقرره. أحيانًا يكون الإدراك مرشدًا صادقًا، وأحيانًا يتحول إلى خصم خفيّ يقودنا دون أن نشعر. هناك، في داخلنا، تختلط الحقيقة بالتصورات، ويغدو الخوف صورةً تنمو في الذاكرة حتى تبدو وكأنها واقع. تخيل أن تتصل بزوجتك أو زوجك فلا يأتيك رد، ثم ترسل رسالة فلا يُجاب عليها. في تلك اللحظة، لا ينتظر الذهن دليلًا، بل يبدأ مباشرة في نسج التفسيرات: ربما حدث مكروه، ربما مرض مفاجئ، وربما تتسلل شكوك لا أساس لها. هذه العملية ليست عشوائية، بل نمط معرفي يُعرف باسم التفكير الكارثي (Catastrophizing)، حيث يميل العقل إلى تضخيم الاحتمالات السلبية والتعامل معها كما لو كانت واقعة مؤكدة.
ومع تكرار هذا النمط، لا تبقى التصورات مجرد خواطر عابرة، بل تتحول إلى مسارات ذهنية مألوفة. هنا يبدأ ما يُسمى الاندماج المعرفي (Cognitive Fusion)، حيث تتشابك الأفكار مع وعينا لدرجة يصعب معها التمييز بين ما هو تخيلي وما يحدث بالفعل. في هذه اللحظة، لا نعيش الحدث كما هو، بل نعيشه كما نُفسّره . والمشكلة الحقيقية لا تكمن في الحدث نفسه، بل في المعنى الذي نلصقه به. فكرة واحدة غير ممحّصة قد تغيّر شعورًا، وتشعل انفعالًا، وتوجّه سلوكًا، وربما تثقل علاقة كاملة. الخروج من هذا الفخ لا يتطلب محوها، بل فهمها. البداية تكون بالانتباه:
راقب التصورات بدل أن تنقاد لها، واسأل نفسك بوضوح:
هل هذا أمر حقيقي . أم مجرد احتمال؟
هذه المسافة البسيطة بينك وبين الفكرة هي ما تعمل عليه أساليب مثل العلاج المعرفي السلوكي (Cognitive Behavioral Therapy)، حيث يتم تدريب العقل على إعادة تقييم الأفكار بدل الانقياد لها تلقائيًا. مع الوقت، يتعلم الإنسان أن ليس كل ما يطرأ في الذهن صحيحًا، وأن القلق لا ينبع دائمًا من الأحداث، بل من الطريقة التي نقرأ بها ما يحدث. وهنا يتحول العقل من مصدر تهديد إلى أداة وعي. لا تجعل التصورات تسبق الوقائع، ولا تمنح الاحتمالات سلطةً على يقينك. فكم من علاقة أُرهقت، وكم من مشاعر استُنزفت بسبب تصورات لم يكن لها وجود إلا في الذهن. في النهاية، يبقى العقل ساحة المعركة الأهم؛ إن أحسنت مراقبته، هدأ، وإن تركته يفسّر بلا وعي، أرهقك. فاختر أن تكون أفكارك جسرًا نحو الطمأنينة، لا بابًا نحو الوهم وتذكّر دائمًا:
ليست كل خاطرة تستحق أن تُصدّق.













