
ولاء العاني
كثيرًا ما سمعنا عن أناسٍ كرّسوا حياتهم للبحث عن الكنوز فهم يتتبعون آثار السفن الغارقة ويمشطون الشواطئ ويحفرون في باطن الأرض بحثًا عن الذهب والأحجار الكريمة ودفائن الحضارات القديمة التي أخفتها الأيام في جرار من الفخار أو صناديق من الخشب والمعدن أو لفائف من القماش. كانوا يؤمنون أن أغلى الكنوز مدفونة تحت التراب.
لكن الأخبار في الأسابيع الأخيرة كشفت لنا نوعًا آخر من الكنوز . كنوزًا لم يبتلعها البحر ولم تخفها الأرض، بل خُبئت في البيوت وخلف الجدران وداخل أجهزة التبريد وفي أماكن لا تخطر على بال أحد. مجوهرات وثروات هائلة نُهبت من وطنٍ أنهكته الحروب، ثم أُخفيت وكأن أصحابها كانوا يدركون أن ما بين أيديهم ليس حقًا لهم . حتى إن بعض القضايا كُشفت بسبب خلافات شخصية أو انتقام أو وشاية لتتكشف معها قصص تكاد تنافس الخيال في غرابتها.
وأنا أتابع تلك الأخبار وقعت عيناي على لوحة تذكارية صغيرة معلقة على جدار إحدى أقدم محطات مترو الأنفاق في برلين، كُتب عليها:
افتُتحت المحطة المرتفعة عام 1902.
وافتُتحت المحطة تحت الأرض عام 1928.
وأُغلقت خلال الحرب، ثم أُعيد تشغيلها بعد إعادة ربط خطوط المترو.
وقفت طويلًا أمام تلك الكلمات القليلة . لم تكن مجرد تواريخ، بل كانت قصة أمة بأكملها. أمة مرت بالحرب والدمار، لكنها لم تجعل الخراب نهاية الطريق، بل بداية لإعادة البناء. لم تكتفِ بإنجاز ما حققته، بل حافظت عليه وطورته وسلمته للأجيال التالية.
عندها أدركت أن الفرق الحقيقي بين الأمم لا يكمن في حجم الثروات التي تمتلكها ولا في الكنوز التي تخبئها، بل في الكنز الذي تحميه. فمنهم من يدفن الذهب خوفًا عليه ومنهم من يحفظ الإنجاز لأنه أغلى من الذهب . وهنا يكمن الفرق .
هناك من يبحث عن الكنوز ليخفيها وهناك من يصنع الكنوز ليتركها إرثًا لوطنه.
فأيُّ الكنزين أبقى؟














