
حيدر حسين سويري
لم تكن الزيارة الاستراتيجية التي قام بها وزير الدفاع السعودي إلى طهران مجرد حدث دبلوماسي عابر ينحصر في أروقة الملف اليمني أو التهدئة الإقليمية المؤقتة، بل جاءت بمثابة تحول بنيوي في التوازنات الجيوسياسية للمنطقة، وضربة قاصمة للحسابات الانتخابية والاستراتيجية للرئيس الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
ففي التوقيت الإقليمي البالغ الدقة، وقبل ساعات قليلة من توجه الإسرائيليين إلى صناديق الاقتراع، رسم التنسيق السعودي-الإيراني المشهد الذي طالما سعى نتنياهو إلى تفاديه: منطقة تعيد ترتيب بيتها الداخلي بعيداً عن منطق الفوضى والهيمنة.
أولاً: تداعي السردية الانتخابية لسقوط «نتنياهو عن الشجرة»
طوال مسيرته السياسية، اعتمد نتنياهو على تسويق أطروحة قائمة على أن الأمن لا يتحقق إلا عبر التصعيد، والمواجهة المباشرة مع طهران، وعزلها عن محيطها العربي. غير أن التحرك الرياضي نحو طهران في هذا المنعطف الحاسم يوجه رسالة مباشرة إلى الشارع الإسرائيلي مفادها:
سقوط خيار الشلل الإقليمي: إن منطق فرض الهيمنة بالقوة لم يُنتج سوى مزيد من التوتر، بينما اتجهت القوى الإقليمية الكبرى نحو الحوار والتفاهم.
انكماش مشروع «إسرائيل الكبرى»: بدلاً من تمدد النفوذ وحصار الخصوم، تجد تل أبيب نفسها أمام واقع يفرض عليها التراجع والانكفاء السياسي.
تصويت عقابي وشيك: إن فشل الرهان على عزل طهران يضع نتنياهو في موضع المساءلة أمام جمهور وُعد بالتطبيع الشامل، ليجد نفسه أمام عزلة دولية وإقليمية قد تكتب نهايته السياسية في صندوق الاقتراع.
ثانياً: أفول عصر «بنك الحظ الخليجي» وتهاوي «اتفاقيات أبراهام»
طرحت إدارة نتنياهو وحلفاؤها مشروعاً سينمائياً للمنطقة يقوم على دمج تل أبيب في النسيج الإقليمي عبر "اتفاقيات أبراهام"، والتي تُسخّر طاقتها لتأمين غطاء سياسي وتوسيع النفوذ على حساب الاستقرار الشامل.
المعادلة السابقة (الرهان الإسرائيلي(
المعادلة الجديدة (الواقع الجيوسياسي(
شراء التطبيع مقابل الحماية وتشكيل حلف ضد طهران
حوار مباشر بين الرياض وطهران واستغناء عن الوساطات الغربية
وظيفة "حصان طروادة" لفتح المنطقة أمام الفوضى
إعادة ترتيب الأوراق الإقليمية على قاعدة المصلحة المشتركة
ارتهان للمظلة الأمريكية والوعود الأمنية
إدراك تآكل المصداقية الدفاعية للمظلة الإسرائيلية/الأمريكية
لقد أثبتت التطورات الميدانية والسياسية أن الحماية الخارجية والمظلات الأمنية المزعومة باتت تتآكل مع أول اختبار حقيقي، ما جعل دول المنطقة تدرك أن الأمن الحقيقي يُبنى بالشراكات الجوارية لا باستيراد الأزمات.
ثالثاً: طهران من «عنوان للمواجهة» إلى «محطة للحوار»
كان المنطق الذي تحركت وفقاً له الدوائر الداعمة للتصعيد يعتمد على جعل إيران بعبعاً يفرض على العواصم العربية الارتماء في أحضان الحماية الخارجية. غير أن ما حدث هو العكس تماماً:
انقلاب السحر على الساحر: استطاعت طهران أن تتحول إلى مركز ثقل للحوار الإقليمي، مجهضة محاولات شيطنتها وعزلها.
فشل استراتيجية تقويض النفوذ: أسفرت سياسة الحافة الحادة عن تقويض النفوذ الأمريكي نفسه وإبراز عجز تل أبيب عن فرض إرادتها على الجغرافيا الممتدة.
تغير الموقف الخليجي: لم يعد الخليج مضطراً لدفع أثمان سياسية واستراتيجية باهظة لقاء وعود أمنية واهية، بل أصبح يصيغ سياساته بناءً على التهدئة، التنمية، واستقرار خطوط التجارة والطاقة.
بقي شيء...
لقد صدق نتنياهو حين ادعى أنه "سوف يغير وجه الشرق الأوسط"، لكن هذا التغيير جاء عكس ما خطط له تماماً. فبدلاً من إخضاع المنطقة وتكريس هيمنته، أسهمت مغامراته في:
تسريع التقارب الإقليمي (السعودي-الإيراني(
تعميق العزلة الدولية والإقليمية لإسرائيل.
إنهاء مرحلة الابتزاز السياسي والمالي تحت يافطة الحماية.
إن وصول مسؤولي الدفاع والأمن من الخليج إلى طهران اليوم هو الإعلان الرسمي عن انتهاء لعبة "بنك الحظ"، وبداية مرحلة جديدة تُكتب فيها معادلات المنطقة بأيدي أبنائها، بعيداً عن أوهام الهيمنة ومشاريع الفوضى.














