جدلية المناظرة والبحث العلمي في قضايا الدين

سبت, 11/07/2026 - 18:30

 

حيدر حسين سويري

 

   أثارت المناظرات التي جمعت بين الباحث (أو الداعية) أحمد سلمان والشيخ التونسي محجوب المحجوبي نقاشاً واسعاً واهتماماً كبيراً في الأوساط الإسلامية، وخاصة بين متابعي الحوارات العقدية والمذهبية.

   وقد تباينت ردود أفعال أبناء المكون السني وتنوعت تحليلاتهم لمجريات المناظرة وما دار فيها من نقاشات حول الروايات التاريخية، ومقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبعض الإشكالات المتعلقة بكتب السنة والشحنات التاريخية:

انتقاد الأداء العلمي والتحضير: وجه عدد من المتابعين والمهتمين من أهل السنة انتقادات حادة للشيخ محجوب المحجوبي، معتبرين أنه لم يكن موفقاً بالشكل الكافي في الدفاع عن بعض النقاط، أو أنه بدا غير ملمّ ببعض تفاصيل الروايات ومواضعها، مما جعله عرضة للإحراج في بعض مفاصل النقاش، وذهب بعضهم للقول بأن أداءه لم يكن بمستوى التطلعات في مواجهة خصم متمرس في إدارة المناظرات الحوارية.

التحذير من المناظرات المذهبية ومخاطرها: رأى قطاع آخر من علماء ومثقفي أهل السنة أن الدخول في مثل هذه المناظرات العلنية (التي غالباً ما تُدار بطابع إعلامي استعراضي) قد يضرّ أكثر مما ينفع، خصوصاً عندما تُطرح فيها شبهات تاريخية دقيقة أمام العامة، مما قد يزرع الشكوك أو يُستغل لتسجيل نقاط إعلامية لصالح طرف على حساب العمق العلمي والشرعي.

تباين المواقف الشعبية والنقد المتبادل: ظهرت تعليقات متباينة بشدة على منصات التواصل الاجتماعي؛ فبينما استغل البعض الآخر المناظرة للتقليل من قدرة بعض شيوخ المدارس التقليدية على تفكيك الطروحات المخالفة، شدد آخرون على ضرورة التصدي لهذه الحوارات بطريقة مؤسسية وعلمية راسخة تعتمد على أهل الاختصاص الحقيقيين في الحديث والعقيدة والتاريخ، بعيداً عن السجالات التلفزيونية أو الفردية.

هنا يظهر سؤال: من أفخم من الآخر في الطرح؟

سؤال يفتح الباب أمام تقييم يعتمد على الزاوية التي ننظر من خلالها للمناظرة، فـ "الفخامة" أو التفوق هنا لا يقاس بمعايير مادية، بل بالأدوات الحوارية، وإدارة الوقت، والقدرة على توجيه دفة النقاش.

إذا أردنا تقييم الأداء بمنهجية موضوعية بعيداً عن التعصب المذهبي، فيمكن قراءة المشهد كالتالي:

من حيث التحضير وسلاسة العرض (يميل التقييم لصالح أحمد سلمان):

ظهر أحمد سلمان مستعداً بشكل كبير، ولديه أرقام نصوص وصفحات وروايات حاضرة في ذهنه، مما يمنح المشاهد انطباعاً بالسرعة والتمكن في استحضار الأدلة من كتب الخصم (وهو أسلوب شاع استخدامه في المناظرات المعاصرة لإحراج الطرف المقابل).

استطاع الحفاظ على هدوء أعصابه وبث نبرة ثقة عالية، مما جعل أنصاره يروقون له ويصفون أداءه بـ "الفخم" والمنظم.

من حيث المنهجية والدفاع عن الأصول (يميل أداء محجوب المحجوبي لمنهج المدرسة التقليدية):

اعتمد الشيخ محجوب المحجوبي على النفس العام للمدرسة السنية التقليدية التي تركز على الأصول الكلية ورفض تفكيك النصوص بهذه الطريقة الاستعراضية في مناظرات علنية.

يرى محبو الشيخ محجوب أن مجرد الخوض في مناظرات ذات طابع استعراضي إعلامي قد لا يكون الملعب الأنسب للمنهج الأثري/التقليدي الذي يرى أن الحوارات العقدية الكبرى تحتاج إلى مجالس علمية وتحقيق متأنٍ وليس إلى مناظرات تلفزيونية.

أقول:

إذا قسنا التفوق بـ "مهارة إدارة المناظرة التلفزيونية واستعراض النصوص"، فقد وُصف أحمد سلمان بأنه الأكثر جاهزية وحضوراً ذهنياً فيها. أما إذا قسناها بـ "الحفاظ على الثوابت والمنهج التقليدي"، فإن أنصار الشيخ محجوب يصرّون على أن الرجل دافع عن أصول مفروضة بغض النظر عن تفاصيل الأداء الفردي.

 

سؤال آخر: هل أن هذه المناظرات تفيد الباحث عن الحق أم أنها تزيد التعصب المذهبي؟

هذه زاوية نظر عميقة، وعليها نقاش طويل بين العلماء والباحثين في مقارنة الأديان والمذاهب. القول بأن هذه المناظرات "تفيد الباحث عن الحق" يحمل جانباً من الصحة، ولكنه في الوقت ذاته يخضع لشروط دقيقة تفصل بين "الباحث الصادق عن الحقيقة" وبين "المتأثر بالعاطفة والمجموعات".

يمكن تفصيل كيف تفيد هذه المناظرات الباحث الصادق، وما هي المحاذير التي تقف في طريق ذلك:

كيف يمكن أن تفيد الباحث عن الحق؟

كشف خبايا النصوص والمصادر: تضطر المناظرات الطرفين إلى إبراز نصوص ومراجع قد لا يطلع عليها الشخص العادي في قراءاته المعتادة، مما يفتح للباحث أفقاً واسعاً للبحث والتحقيق الذاتي والتأكد من صحة المنقولات.

اختبار قوة الحجة والرد: الباحث الصادق لا يكتفي بسماع الدعم لطرفه، بل يهمه أن يرى كيف يرد الخصم على الشبهات الكبرى؛ فإذا رأى إجابة مقنعة ومؤصلة استقر قلبه، وإذا رأى تهرباً أو ضعفاً في الاستدلال، دفعه ذلك للتعمق أكثر.

كسر الهيبة التقليدية للشعارات: تجبر هذه الحوارات المتابعين على مغادرة فكرة "التقديس المطلق للأشخاص"، والتركيز بدلاً من ذلك على المنهج والدليل والبرهان العقلي والنقلي.

التحدي الأكبر: متى تتحول إلى أداة تضلل الباحث؟

طبيعة "الاستعراض التلفزيوني": المناظرات العلنية الحديثة غالباً ما تُبنى على "تسجيل النقاط"، والمباغتة بالأسئلة، والتركيز على البلاغة وسرعة البديهة والقدرة على الحفظ أكثر من بنائها على البحث العلمي الهادئ والمتروي.

شحن العواطف بدل إقناع العقول: الغالبية الساحقة من متابعي هذه المناظرات لا يدخلونها بذهن خالٍ ليبحثوا عن الحق، بل يدخلونها ومعهم "انتماء مسبق"؛ فكل طرف يفسر أداء شيخه لصالح مذهبه، وتتحول المناظرة في نظرهم إلى مباراة تشجيع رياضية وليست مجلساً للعلم والبحث.

اجتزاء النصوص: في ضغط الوقت وسرعة الردود، قد يُجتزأ النص أو يُفهم خارج سياقه التاريخي والعلمي، مما قد يقود الباحث غير المتخصص إلى نتائج مغلوطة تماماً.

أقول:

المناظرة العلنية قد تكون "شرارة أولى" أو "مفتاح تساؤل" يدفع الباحث الجاد والصادق لفتح الكتب والتحقيق بنفسه بعيداً عن صخب الكاميرات، لكنها وحدها لا تكفي لتكون مصدراً آمناً للوصول إلى اليقين والحق، لأن الحق يحتاج إلى مجالس علمية رصينة وأمانة بحثية لا تحتمل الضغط الإعلامي.

 

سؤال آخر: هل ترى أن الوصول إلى الحق في المسائل العقدية يحتاج إلى مناظرات، أم إلى قراءة متعمقة في كتب الأصول والمصادر؟

أقول: كلا الأمرين يمثلان جناحين لا يتم الوصول إلى الحقيقة دونهما: المناظرات كشرارة توقظ الأسئلة وتكشف المواضع الحساسة، والقراءة المتعمقة كطريق أصيل لبنيان علمي رصين ومحقق.

يمكننا تلخيص تكامل الأمرين في مسيرة الباحث الصادق كالتالي:

المناظرات كـ "كاشف للإشكالات ومحرك للهمم": صحيح أن المناظرات وحدها لا تكفي لبناء عقيدة أو علم، لكنها تلعب دور "المنبه" الذي يضع يد الباحث على مواضع النزاع الحقيقي، ويكشف له كيف يفكر الطرف الآخر، وما هي النصوص التي يعتمد عليها. بدون هذه الصدمة المعرفية أو التساؤلات المثارة، قد يظل الإنسان غارقاً في قراءات أحادية الجانب لا تري إلا وجهاً واحداً للحق.

الكتب والمصادر كـ "مختبر للتمحيص والتحقيق": بعد أن تثير المناظرة التساؤلات في ذهن الباحث، يأتي دور القراءة المتعمقة في كتب الأصول والمصادر المعتبرة. هنا ينعزل الباحث عن صخب الإعلام وتشجيع الجمهور ليعود إلى النصوص بأمانة وتجرد: يراجع السياق، ويتأكد من توثيق الروايات، وينظر في شروح العلماء المعتبرين، ليعرف هل ما أُلقي في المناظرة دقيق أم مجرد استعراض خطابي.

بقي شيء...

من يكتفي بالمناظرات وحدها قد يقع في فخ "السطحية والتعصب العاطفي"، ومن يكتفي بالقراءة بمعزل عن التحديات الفكرية المعاصرة قد ينعزل عن واقع الأسئلة التي يطرحها المخالفون. أما المزج بينهما – بحيث تكون المناظرة "نافذة للأسئلة" والقراءة المتعمقة "ميزاناً للإجابات" فهو أقصر الطرق وأسلمها لمن يبحث عن الحقيقة بصدق وتجرد.

Share

أخبار موريتانيا

أنباء دولية

ثقافة وفن

منوعات وطراف