
العلامة محمد فاضل ولد محمد الأمين وتجديد الفهم الشرعي لقضية الرق في موريتانيا
شكّلت قضية الرق وآثاره الاجتماعية في موريتانيا واحدة من أعقد القضايا التي اختلط فيها الديني بالاجتماعي، والموروث القبلي بالفهم الشرعي، حتى ظنّ بعض الناس أن الإسلام جاء لتكريس العبودية، مع أن المتأمل في نصوص القرآن والسنة يدرك بوضوح أن الإسلام جاء ليُضيّق منابع الرق، ويُوسّع أبواب الحرية، ويؤسس لمجتمع يقوم على الكرامة الإنسانية والمساواة بين البشر.
وقد كان العلامة الجليل محمد فاضل ولد محمد الأمين من أبرز العلماء الذين تصدّوا لهذا الملف بشجاعة علمية وبصيرة شرعية، خاصة في ثمانينيات القرن الماضي، حين كانت بعض العقليات التقليدية ما تزال تنظر إلى التراتبية الاجتماعية نظرة جاهلية تُلبِس العادات لباس الدين.
لقد بيّن الشيخ في دروسه ومحاضراته أن الإسلام لم ينشئ نظام الرق، وإنما جاء والعالم كله غارق فيه؛ فجفف منابعه، وضيّق أسبابه، وفتح أبواب العتق والتحرير على مصاريعها، حتى صار تحرير الإنسان من أعظم القربات إلى الله تعالى.
فالقرآن الكريم جعل العتق من أفضل الأعمال، قال تعالى:
(فَكُّ رَقَبَةٍ)
ثم جعله طريقًا إلى اقتحام العقبات ونيل البر والخير.
وجعل الإسلام تحرير الرقاب كفارة لكثير من الذنوب، فقال تعالى في كفارة القتل الخطأ:
(وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ)
وقال سبحانه في كفارة الظهار:
﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾.
وفي كفارة اليمين قال تعالى:
(فَكَفَّارَتُهُ... أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ)
وهذا التكرار في القرآن ليس عبثًا، وإنما هو توجيه مقصود نحو تحرير الإنسان، وتجفيف منابع الاسترقاق تدريجيًا، حتى تنتقل البشرية من واقع الرق إلى أفق الحرية.
كما جاء النبي صل الله عليه وسلم ليهدم معايير الجاهلية القائمة على اللون والنسب والسيادة الطبقية، فقال في خطبة الوداع:
«يا أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى».
بل إن الإسلام أمر بالإحسان إلى المماليك وإكرامهم، فقال النبي صل الله عليه وسلم
«إخوانكم خَوَلُكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم».
ثم فتح باب التحرر المباشر عبر “المكاتبة”، فقال تعالى:
(فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا)
وهذا كله يدل على أن الشريعة تتجه نحو تحرير الإنسان، لا نحو تأبيد استعباده.
وقد كان الشيخ محمد فاضل ولد محمد الأمين يشرح هذه النصوص بروح المقاصد الشرعية، مبينًا أن الإسلام نقل البشرية من واقع كانت تُباع فيه النفوس بلا قيد، إلى منظومة أخلاقية وتشريعية تضيق الرق وتفتح أبواب الحرية والكرامة.
وكان يؤكد أن ما بقي في بعض المجتمعات من مظاهر الاستعلاء الطبقي أو النظرة الدونية لبعض الفئات، إنما هو من رواسب الجاهلية والعادات الاجتماعية، لا من جوهر الإسلام.
ولهذا تعرّض الشيخ في الثمانينيات لانتقادات من بعض المتشددين اجتماعيًا، ممن كانوا يخلطون بين الدين والموروث القبلي، ويرفضون أي قراءة علمية تُعيد النصوص إلى مقاصدها العادلة. لكن الشيخ ثبت على موقفه، لأن العالم الحق لا يبيع قناعته الشرعية لإرضاء العامة أو أصحاب النفوذ الاجتماعي.
لقد كان دفاعه عن كرامة الإنسان نابعًا من فهم عميق للقرآن والسنة، لا من موجات سياسية عابرة، ولذلك بقي خطابه متزنًا، يجمع بين العلم والحكمة، ويرفض الظلم دون أن يسقط في خطاب الكراهية أو تمزيق المجتمع.
إن التاريخ ينصف العلماء الذين وقفوا مع الحق في زمن الصمت، ويشهد أن أمثال العلامة محمد فاضل ولد محمد الأمين أدّوا دورًا مهمًا في تصحيح المفاهيم، وبيان أن الإسلام دين تحرير وعدل وكرامة، لا دين استعلاء واستعباد.
وصدق الله العظيم إذ يقول:
(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ).
سيد المختار ولد احمد ولد بون













