التشكيك بالذات… عنفٌ بلا آثار

سبت, 08/29/2026 - 20:02

 

 

دنيا رحمن بدر

 

ليس كل عنفٍ يترك كدمة، ولا كل أذى يمكن رؤيته بالعين. فهناك عنف أكثر هدوءًا، لكنه قد يكون أشد تأثيرًا؛ عنفٌ يتسلل إلى الإنسان عبر الكلمات والمواقف، ويستهدف ثقته بنفسه بدلًا من جسده. ومن أبرز صوره التشكيك بالذات؛ حين يتعرض الإنسان بصورة متكررة للتقليل من شأنه، أو التشكيك في قدراته، أو الطعن في نواياه، أو تحميله مسؤولية ما لم يرتكبه، فإن الأمر لا يبقى مجرد كلمات عابرة. ومع الوقت، قد تتحول تلك الكلمات إلى صوت داخلي يرافقه في قراراته ومواقفه، فيبدأ بسؤال نفسه باستمرار: هل أنا مخطئ؟ هل بالغت؟ هل كان يجب أن أصمت؟ هل المشكلة فيّ؟

وهنا تبدأ الخطورة الحقيقية؛ فالإنسان الذي كان يحتاج إلى مواجهة خارجية، يصبح في مواجهة مع نفسه. لا يعود الآخر بحاجة إلى منعه من الكلام، لأن الخوف من الخطأ، والخوف من الحكم عليه، والخوف من العواقب، قد أصبح رقيبًا داخليًا يمنعه من التعبير عن رأيه أو الدفاع عن حقه. وتظهر هذه الظاهرة في كثير من جوانب الحياة، إلا أنها قد تكون أكثر وضوحًا في بعض بيئات العمل، حيث تتداخل السلطة مع العلاقات المهنية، ويصبح الاختلاف في الرأي أحيانًا سببًا للوصم بدلًا من أن يكون فرصة للنقاش .

لنفترض مثلًا أن موظفة ترفض تمرير معاملة لا تتفق مع الإجراءات القانونية! في البداية تتلقى اعتراضًا، ثم يتحول اعتراضها إلى مادة للتشكيك في شخصيتها. يقال إنها متشددة، ثم صعبة، ثم إن وجودها سبب للمشكلات. ومع استمرار هذا الضغط، قد تصل إلى مرحلة

تتساءل فيها:

«هل المشكلة فعلًا فيّ؟» رغم أن موقفها المهني لم يتغير ولم يثبت خطؤه.

وهنا يتحقق أخطر أهداف هذه الممارسة: أن يتولى الإنسان بنفسه مهمة إسكات نفسه. فلا يحتاج من يريد تقييده إلى منعه من الكلام، لأن الخوف يصبح الرقيب الداخلي الذي يراقب كلماته وقراراته.

والسبب في انتشار هذه الظاهرة هو أن بعض المجتمعات ما زالت تخلط بين الاختلاف والعداء، وبين الثقة بالنفس والغرور، وبين التمسك بالمبدأ والعناد. كما أن غياب الحوار الحقيقي يفتح المجال للهمس والشائعات والضغوط النفسية بدلًا من المواجهة الواضحة. وفي بعض الأحيان، تُستخدم السلطة لا لتصحيح الخطأ، بل لإخافة من يرفض الانصياع.

أما الحل، فلا يبدأ من مطالبة الإنسان بأن «يتحمل أكثر»، بل من بناء ثقافة تحترم الفرد. تحتاج بيئات العمل والمؤسسات إلى قواعد واضحة لمواجهة التنمر والتشهير والإساءة النفسية، وإلى آليات عادلة للاستماع إلى الشكاوى. كما يحتاج المجتمع إلى أن يتعلم الفرق بين النقد والتقليل؛ فالنقد يحدد الخطأ ويقدم فرصة للإصلاح، أما التقليل فيستهدف الشخص ذاته.

وعلى المستوى الفردي, يبدأ التحرر من هذه الظاهرة حين يعود الإنسان إلى الوقائع. ليسأل نفسه: ما الذي حدث فعلًا؟ ما الدليل على خطئي؟ هل النقد موجه إلى سلوكي أم إلى شخصيتي؟ فالحقيقة لا تتغير لأن الاتهام تكرر، ولا يصبح الإنسان مخطئًا لأن الآخرين نجحوا في جعله يشعر بالذنب.

إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها تسلب الإنسان ثقته بنفسه باسم الخوف، وتجعله يتراجع عن ذاته باسم السلام. لذلك فإن مواجهتها مسؤولية مشتركة؛ مسؤولية الفرد في حماية وعيه، ومسؤولية المجتمع في عدم تحويل الاختلاف إلى تهمة.

لقد حاولوا أن يجعلوني أخاف من نفسي، لكنني أدركت أن أخطر انتصار يمكن أن يحققه الإنسان هو أن يظل قادرًا على رؤية نفسه بوضوح، مهما حاول الآخرون تشويه صورته.

Share

أخبار موريتانيا

أنباء دولية

ثقافة وفن

منوعات وطراف