
محمد جواد الميالي
تغير العالم كثيرا، منذ اخر حرب عالمية حدثت.. فبعد ان كان العرف العالمي، يمثل قواعد غير رسمية وتوافق اخلاقي او قانوني بين الدول، صار اليوم انعكاساً لاختلال موازين القوة بين تلك الدول.
سلوك دولة كبرى واحدة أو مجموعة من الدول النافذة، كفيل بأن يتحول مع التكرار إلى قاعدة غير مكتوبة، تُفرض على النظام الدولي بوصفها أمراً واقعاً، والتجارة العالمية شهدت نماذج مشابهة حين قُدِّمت المصالح على القواعد، والسياسة الدولية لم تكن بعيدة عن هذا المسار، حيث باتت الهيمنة تصوغ الأعراف قبل أن تصوغها النصوص، وميزان القوة أسبق من شرعية القانون.
يمكن قراءة ما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية في فنزويلا، بوصفها لحظة لتأسيس عرف جديد، لا ينسجم مع أحكام القانون الدولي، ولا مع المبادئ التي قامت عليها هيئة الأمم المتحدة، كالاعتراف برئيس بديل، ومحاولة تجريد رئيس منتخب من شرعيته، وتبرير ذلك تحت عنوان تهديد الأمن القومي الأمريكي، بدأ أقرب إلى حبكة مستقطعة من مسلسل "هوليودي" حيث تختزل السياسة الدولية في صراع الخير والشر، ويُمنح البطل حق كسر القواعد باسم الخطر الداهم.. فتبرير الرئيس ترامب بأن مادورو يشكّل تهديداً للأمن القومي الأمريكي لم يكن مجرد خطاب، بل إعلان صريح بأن مفهوم الأمن القومي، بات مرناً إلى درجة تسمح بتفصيله على مقاس الخصومة السياسية.
هذا المنطق لا يمكن أن يتوقف عند حدود فنزويلا، لأنه يطرح سؤالاً يتجاوز الحالة اللاتينية إلى بنية النظام العالمي نفسها، فإذا كان مادورو يُصنَّف كتهديد للأمن القومي الأمريكي، فما الذي يمنع موسكو من اعتبار زيلينسكي تهديداً مباشراً لأمنها القومي؟ وأي نص دولي يمكن أن يمنع بكين من توصيف رئيس تايوان بالمنطق ذاته؟
المعايير ذاتها حين تُفصَّل على مقاس القوة، تفقد صفتها العالمية، وتتحول إلى أدوات انتقائية، تُستخدم حين تخدم المصالح وتُهمل حين تعيقها.
ما قامت به واشنطن لن يبقى استثناءاً مؤقتاً، بل مرشح لأن يتحول إلى عرف سائد في سلوك القوى الكبرى، وتصريحات الروسي ديميتري ميدفيديف لم تكن مجرد رد فعل سياسي، بل تحذيراً من أن الباب الذي فُتح في فنزويلا سيُستخدم في ساحات أخرى، تعثّر أي تسوية بين روسيا وأوكرانيا قد يدفع موسكو إلى تبني المنطق ذاته، مستندة إلى سابقة أمريكية واضحة، فيما تبدو الصين مراقباً دقيقاً لهذا العرف، تستخلص منه ما يمكن توظيفه في ملفاتها السيادية الحساسة.. فلا شيء سيمنعها من ذلك..
عالم ما بعد مادورو هو مكان تراجعت فيه شرعية المؤسسات، وتقدمت فيه سوابق القوة، بوصفها مرجعاً عملياً للسلوك الدولي.
هذا الفعل الأمريكي يضع دول الشرق الأوسط الضعيفة، على وجه الخصوص، أمام اختبار وجودي، دول تعاني هشاشة بنيوية، وانقسامات داخلية، وارتهاناً اقتصادياً وأمنياً، ستجد نفسها عارية أمام منطق "قاعدة الغاب" الجديد، فالسيادة لن تكون مفهوماً محمياً بالقانون، بل امتيازاً مؤقتاً تمنحه القوى الكبرى وتسترده متى شاءت، غياب التوازن الداخلي، وضعف الإرادة الجماعية الإقليمية، سيجعلان هذه الدول ساحات مفتوحة، لإعادة إنتاج الأعراف نفسها، تحت عناوين متبدلة لكن بجوهر واحد.
من جانب اخر فالشخصية القانونية لهيئة الأمم المتحدة، لم تعد تؤدي وظيفة حقيقية في ضبط النظام الدولي، ووجودها من عدمه بات متماثلا، إذ لم نسمع منها في الأزمات الكبرى سوى عبارات الاستنكار، التي لا تسمن ولا تغني عن جوع، ربما يكون من الأكثر صدقاً مع الواقع، أن تُنزَع عنها صفة المرجعية القانونية العليا، وأن تتحول إلى منظمة مجتمع مدني دولية، تُعنى بالرصد والتوثيق وإصدار التقارير، بدل ادعاء دور لم تعد قادرة على ممارسته، ففي عالم ما بعد مادورو، لم يعد القانون حَكَماً بين القوى، بل صار وثيقة تُستحضر عند الحاجة، وتُهمل عند أول اختبار للقوة.














