
عادل الجبوري
مع انبثاق كل حكومة جديدة، وانطلاق عملها، يرتفع مستوى السجال والجدل السياسي والشعبي حول ما يمكن ان تقدمه من مكاسب وانجازات، وما يمكن ان تعالجه من مشاكل وازمات، وما يمكن ان تحدثه من تحولات ومتغيرات.
ولان الوعود التي كانت تطلق كثيرة وكبيرة في كل مرة، لكن للاسف لم يكن الايفاء بها وترجمتها الى واقع عملي على الارض، لا كثيرا ولا كبيرا، فقد راحت مساحات الاحباط واليأس لدى فئات وشرائح اجتماعية عديدة، تتسع وتتنامى بصرف النظر عن اسباب وعوامل عدم ايفاء الحكومات المتعاقبة بوعودها وعهودها.
ولاشك ان هناك ظروفا موضوعية، سياسية وامنية واقتصادية، حالت في بعض الاحيان دون ترجمة البرامج النظرية الحكومية ذات الطابع الخدمي الى مشاريع عملية يمكن للمواطن العادي ان يلمسها ويستشعرها في جزئيات وتفاصيل حياته اليومية، بيد انه في ذات الوقت كان هناك كمّ غير قليل من الاخطاء المقصودة وغير المقصودة، تراكمت وتنامت على مدى ثلاثة وعشرين عاما، حتى بات من الصعب بمكان معالجتها واحتواء اثارها وانعكاساتها السلبية خلال وقت قصير.
الحكومة الجديدة برئاسة علي الزيدي، قد تكون امام اختبار صعب ومفصلي، فهي اما تعيد انتاج وتسويق ومراكمة الاخطاء السابقة، لينتهي بها الحال الى ذات التقييمات الشعبية المتشائمة. ولتدخل كما هي سابقاتها الى دائرة اللامنجز الحقيقي والملموس. واما ان تعمل على مغادرة السياقات والمسارات المنتجة للاخطاء والسلبيات، وتختار سياقات ومسارات منتجة للايجابيات، وحينذاك سيصفق لها المواطن، بصرف النظر عن انتماءاته وتوجهاته، وبصرف النظر عن هوية وانتماء صاحب المنجز.
والسؤال هنا، كيف يمكن ان يتحقق ذلك؟..
يتحقق ذلك حينما يتوجه رئيس الوزراء-ويوجه فريقه الحكومي-الى المشكلات والأزمات الأساسية والكبرى، والتي بحلها ومعالجتها، ستنفك الكثير من العقد، وتتحلحل العديد من القضايا. وينفتح الباب واسعا على مصراعيه لافاق إيجابية بناءة.
المشكلة او الازمة الكبرى، التي ينبغي على رئيس الوزراء التغلب عليها، هي الكهرباء، اذ انه على مدى ثلاثة وعشرين عاما، ومع تعاقب الحكومات والإدارات، ظلت هذه المشكلة تدور في حلقة مفرغة، رغم انفاق الكثير من الأموال على مشاريع لم تثمر عن تغيرات وتحولات ملموسة يعتد بها، ناهيك عن الأموال الطائلة التي انفقها المواطنون من اجل تأمين الطاقة الكهربائية من خلال المولدات الاهلية.
معالجة مشكلة الكهرباء بصورة جذرية لاترقيعية، من شأنه ان يسهم في تغيير الانطباعات والرؤية الشعبية السلبية العامة للحكومة ومؤسساتها المعنية في هذا المجال، إضافة الى ان توفير الكهرباء سيفضي الى تنشيط القطاعات الإنتاجية الزراعية والصناعية المختلفة، وتشجيع الاستثمارات فيها، ومعالجة جزء من مشكلة البطالة عبر تحريك سوق العمل. بعبارة اخرى ان حل ومعالجة مشكلة الكهرباء سوف يؤدي تلقائيا الى حل او حلحلة مشكلات أخرى. وفي حال نجحت الحكومة الجديدة بذلك، فإنها تكون قد خطت خطوات مهمة للغاية الى الامام، واستعادت ثقة المواطن المفقودة بمؤسسات الدولة ومفاصلها الخدمية، إضافة الى تسهيل وتفعيل مسارات مكافحة الفساد الإداري والمالي، الذي استنزف قدرا لايستهان به من المال العام، وعطل كثيرا فرص التنمية والازدهار والبناء.
المشكلة الثانية، التي ينبغي على الحكومة الجديدة التوجه والالتفات اليها، هي غياب العدالة في توزيع الموارد والثروات، وفي ذلك مصاديق غير قليلة، لعل من بينها- او أهمها-الرواتب والامتيازات المالية الضخمة التي تحظى بها قلة من أبناء الشعب العراقي، تتمثل بأصحاب الدرجات الخاصة، بدءا من رؤساء السلطات العليا، مرورا بالوزراء وأعضاء البرلمان، ووكلاء الوزارات، ورؤساء الهيئات المستقلة، والمحافظين، والسفراء، ورؤساء وأعضاء مجالس المحافظات، وكبار القادة العسكريين والامنيين، وصولا الى المدراء العامين ومن هم بدرجتهم. في مقابل حرمان فئات اجتماعية عديدة من التمتع ولو بالحد الأدنى من فرص العيش الكريم.
ولاشك ان تخفيض رواتب وامتيازات هؤلاء، وهم بالالاف، سيساهم برفد ميزانية الدولة بموارد مالية جيدة، يمكن توظيفها في أبواب تخدم المواطن العادي، وتساعد في احتواء الازمة المالية، التي يبدو انها سوف تتفاقم وتستفحل اكثر فأكثر في ظل غياب الحلول والمعالجات العملية الناجعة، واتساع نطاق التوتر والاضطراب العسكري والسياسي والأمني في المنطقة.
وليس بعيدا عن ذلك، لابد من تقليص التفاوت الفاضح في رواتب الموظفين والعاملين في مؤسسات الدولة، من خلال إقرار سلم رواتب موحد، يعالج مظاهر الغبن والظلم، التي دامت واستمرت لسنين طوال. اذ انه من غير المنطقي ولا المعقول، ان يتقاظى موظفا يعمل في مؤسسات معينة، كالرئاسات الثلاث، او بعض الوزارات، كالنفط والكهرباء والخارجية، اضعاف ما يتقاضاه نظيره من حيث التحصيل العلمي وسنوات الخدمة، في مؤسسات ووزارات أخرى. وهكذا بالنسبة للرواتب التقاعدية، وامتيازات بعض الفئات.
إعادة توزيع الثروة، بصورة اكثر عدلا وانصافا، يعد مدخلا مهما لتصحيح الأخطاء والسلبيات، واعادة الأمور الى نصابها السليم.
قد تكون هذه المهمة صعبة وتتطلب جهدا كبيرا، وإرادة وإدارة قوية وصلبة من قبل رئيس الوزراء بالتحديد، ومغادرة مساحة المجاملات والترضيات للزعامات والقوى والأحزاب السياسية، التي غالبا ما كانت تتم على حساب المصالح الوطنية العامة، وعلى حساب احتياجات ومتطلبات وحقوق المواطن.
والملف الاخر، الذي يتحتم على رئيس الوزراء إيلاء الاهتمام الكافي به، يتمثل بالكمّ الهائل لسلبيات واخطاء وفساد قطاعات الصحة والتربية والتعليم العالي، من حيث البنى التحتية، والكوادر والأجهزة الفنية في القطاع العام، والترهل والتضخم والتوسع غير المدروس ولا المخطط له علميا وعمليا في القطاع الخاص، وهذا ربما ينتج وينمي مظاهر الفساد، ويزيد الأعباء على فئات اجتماعية واسعة، ويعزز سلوكيات الاستحواذ والاستئثار والمكاسب غير المشروعة لقلة من الجماعات والافراد.
ومن المهم التذكير بأن الناس ستحرص على الاستماع والاصغاء الى الكلام الجميل في باديء الامر، الا انها فيما بعد ستنتظر ترجمة ذلك الكلام الجميل الى أفعال اجمل، واذا لم يحصل ذلك، فهذا يعني عودة الى الوراء اكثر مما هي مراوحة في نفس المكانّ!.















